أدب وفنون

الخربة

في سنة 2050، جاعت الحرب من جديد إلى لحم الشرق، وعادت هائجة كي لا تبقي حجرًا على حجر. مات الجميع، ولم يعد ثمّة أثر للجنس البشريّ هناك. كان آخر مكان قصفته مقبرة تعجّ بالقبور والأشباح، هناك كان يعيش رجلٌ مّا، لم ينتبه إلى وجوده سوى مجموعة من الإعلاميين، قدموا من بلاد بعيدة لتغطية ما تبقّى من خراب، وجدوه هناك جريحًا يئنّ مثل وحش. لا أحد يعلم عن مصيره بعد ذلك، فحين غادروا ذلك المكان وعادوا إلى بلادهم، ماتوا تباعًا نتيجة إصابتهم بمرض لا شفاء منه، ولا أحد تحدّث عن سيرة ذلك الرجل، سوى ما نشرته صحيفة، ادّعت أنّها وجدت هذا التصريح المنسوب إليه مكتوبًا بخطّ اليد في جيب أحدهم:

“اسمحوا لي أوّلًا أن أخبركم بأنّي نسيت اسمي، فأنا لم أسمع أحدًا منذ ثلاثين عامًا يناديني به. منذ أن كنت أعيش هناك، في تلك الخربة المجاورة للمقبرة التي تمّ قصفها منذ أيّام قليلة، كان عليّ في اليوم الواحد أن أغسل أطنانًا من اللحم المفروم لنساء وأطفال وشيوخ وجنود، وحين يتمّ إسقاطهم في القبور ويعود النّاس إلى بيوتهم، أتفرّغ لملء حوض الماء من جديد، وأنام لأحلم بجثث أخرى، أنام في نفس المكان الذي كنت أدعك فيه جثّة ميّت مّا، تحيط بي روائح الكافور والبخور والمسك، وما ترسّب على الجدران من الدم المتخثّر، وقد حاطت به العناكب والذباب.

اسمحوا لي -أيضًا- أن أخبركم، بعد أن جنّت هذه الحرب، أنّي لم أكن رجلًا تقيًّا، كما يعتقد بعضكم، فكثيرًا ما كنت أضجّ وحيدًا في آخر الليل، وينتابني هوس الموت، فأخرج لأعدّ القبور، وأقرأ أسماء الموتى، ومن ثمّ أبصق بعنف على شاهدة قبر مّا. أحيانا أخرى، كنت أفتح قنينة نبيذ، ومثل ذئب أضع مؤخرّتي على حجرة وأزدردها، وأعوي عواء امرأة، قد تأتي بعد يوم أو يومين عند المغيب لزيارة وليدها الذي مات مطحونًا تحت دبّابة، في أثناء اندلاع هذه الحرب التي قصفت هذه المقبرة أيضًا. ربّما لا يروق لأحدكم سماع هذا الحديث، ولكن ماذا تنتظرون من رجل يعيش بهذا الشكل؟ يدي اليمنى هذه تحسّست للمرّة الألف قضيب ألف ميّت وفرج ألف صبيّة، اليد نفسها التي فعلت ذلك، كانت تمسك بعد ذلك بسيجارة رخيصة وتمتدّ -فيما بعد- لتأكل قطعة الخبز اليابسة الملقاة على طاولة إسمنتيّة.

الآن، جثث الموتى جميعهم في العراء، بعد أن هُدِّمَتْ تلك القبور، لقد كانت الحرب رحيمة جدّا، لأنّها لم تقصف هذه الخربة ولا حوض الماء الذي تحتويه، أمّا أنتم فتطلبون منّي أن أدلي بشهادتي حول ما حدث أخيرًا وكيف نجوت، أنتم الإعلاميون لا تختلفون في شيء عن تجّار السلاح الذين جعلوا هذه الأرض ملغّمة بالديناميت، لقد تسنّى لكم التقاط صور لهذه العظام والأحجار المتناثرة وكلّ تلك القبور، هذا بالتأكيد لن ينفع جرائدكم ولا مؤسساتكم الإعلامية في شيء، فلقد تعوّد العالم على رؤية المذبحة كلّ يوم، ما سيجعلكم تثيرون ضجّة إعلاميّة هو كيف يمكن لأحدكم أن يحبك قصة عن هذا الرجل الذي أمامكم، بوصفه الوحيد الذي بقي حيًّا، هل حقًّا أنا حيّ؟ هل كان سكّان القبور، هؤلاء النّيام في باطن الأرض أحياء؟ هل أعادت الحرب قتلهم، بعد أن شقّت الحجارة وأخرجت رميم عظامهم غبارًا في السماء؟

ماذا تريد آلات صوركم المتجّهة صوبي من غاسل موتى مثلي؟ هذه ذقني تكسوها لحية كثّة الشعر لم أحلقها منذ عام أو يزيد، صارت من شدّة الرطوبة والتراب العالق فيها أشبه بمؤخّرة عنزة! اقترب أنت، تحسّسها بيدك كي تنزلق، تحسّس هذا الخراء الذي تريد إيصاله إلى العالم كي يضحك! هذه قدمي مشقّقة من الأسفل كتجاويف الأودية، هل ستصدّقني، يا بنيّ، إن قلت لك إنّي في إحدى المرّات وجدتُ خنفساء تنام في شقوقها؟ ليس مهمّا إن كنت ستصدّق ذلك. اقتربي أنت، دعك من آلة التصوير واقتربي.. مرّة، وقعت صبيّة تشبهك وخرّت على الأرض بعد أن أصابتها رصاصة طائشة، وهي تزور قبر أمّها، كنت حينذاك جائعًا بشكل لا يطاق، أكثر من ستّة أيّام لم أتذوق شيئًا، لم أنتظر موتها بعد أن طال احتضارها، لقد سلخت خاتمها من يدها وبعته في المدينة المجاورة، قبل أن تقصف هي الأخرى، مقابل قنينة نبيذ وبعض من الخبز المجفف، حين عدت إلى المقبرة وجدت رأسها مفصولًا عن جسدها، لا أعرف من فعل ذلك، ولكن ماذا لو أجهزت عليكِ الآن وبعت آلة التصوير التي في يديك؟ لا جدوى من ذلك الآن، فكلّ شيء انتهى وانتهت معه الحياة، ثمّ إنّي عاجز عن الحركة، جراحي لم تندمل بعد، وما أريده منكم الآن أن تكون لديكم الجرأة، كي يدقّ أحدكم رأسي بشاهدة قبر، ويرحمني من هذا الألم العنيف”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق