مقالات الرأي

مهمة دي ميستورا بين انسداد الآفاق وسراب الانتظار

سُئلتُ في صيف عام 2012، عن حدود فرص نجاح الأخضر الإبراهيمي في عمله، وذلك بالتزامن مع تسلّمه مهامه كمندوب لمجلس الأمن في سورية. وكان جوابي هو التالي: إذا تمكّن الإبراهيمي -مع احترامنا لكفاءاته الدبلوماسية- من تحييد موقف الروس في مجلس الأمن؛ فسنعتبر ذلك اختراقًا. ولكن بكل أسف أثبتت الأيام لاحقًا عجز الإبراهيمي عن بلوغ ذلك، وكانت استقالته، وبيانه الشهير الذي تابعه معظمنا.

أما مناسبة هذا الحديث، فهو ما أعلنه مؤخرًا دي ميستورا، المبعوث الدولي الذي خلف الإبراهمي في مهمته السورية، حول عزمه ترك مهمته بناء على أسباب شخصية، وفق ما جاء على لسانه. هذا مع العلم أنه قد تجاوز السبعين، وقد مرت أربعة أعوام، بل أكثر، على بداية مهمته. أربعة أعوام حافلة بالإشكالات والتساؤلات، وخالية تمامًا من أي إنجاز.

بدأ دي ميستورا مهمته، كما يتذكر معظمنا، بمشروع تهدئة الأوضاع في حلب، الذي لم يؤد إلى شيء في ذلك الحين. واعتمد خطة الروس في ميدان تفتيت المعارضة، وتشتيتها، ومن ثم إعادة تركيبها وفق رغبة روسيا وإرادتها في المقام الأول.

وتحت شعار أهمية التواصل مع المجتمع المدني والنسوي، خلط دي ميستورا الحابل بالنابل، ولم يعد السوريون أنفسهم يفهمون ما يجري، وبات الرجل يتصرف وكأن خيوط اللعبة كلها قد اصحبت بين يديه. ولم يحافظ على وحدة مسار المفاوضات التي كان من المفروض أن تنطلق على أساس مرجعية (جينف 1)، لا سيما ما يتصل منها بهيئة الحكم الانتقالي. إذ سوّق بدعة السلال الأربع. وبدا يروج لأهمية ضم المجموعة التي كانت قد اجتمعت في موسكو تحت اشراف السلطات الروسية، وتلك التي اجتمعت في القاهرة تحت اشراف السلطات المصرية. وقد تمكن في ما بعد من جمع ممثلي الهيئة العليا للمفاوضات الأولى مع ممثلي ما عرف لاحقًا بمنصتي القاهرة وموسكو تحت سقف واحد، ممهدًا بذلك الطريق أمام انضمام المنصتين المذكورتين بصورة رسمية إلى الهيئة العليا للمفاوضات في صيغتها الثانية، وبضغط مباشر من الروس، وتفاعل متناغم من جانب القوى الإقليمية، وصمت إيجابي لافت من طرف الأميركيين. وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن الهيئة الأولى، نتيجة الضغوط، لم تكن من حيث المبدأ رافضة تمامًا موضوع انضمام المنصتين إليها، وإنما كان الخلاف هو حول نسبة الممثلين وهوياتهم.

أما “الإنجاز” الإشكالي الأكبر الذي حققه دي ميستورا، بمناوراته التي أثارت كثيرًا  من التساؤلات، فهو يتمثل في توافقه مع الروس على اختزال الموضوع السوري في لجنة دستورية، ما زالت بين شد وجذب، بل في حكم المجهول.

وكي لا نظلم الرجل، علينا أن نعترف هنا بأن دي ميستورا كان منذ البداية يراهن على التوافق الروسي الأميركي، ويعلن في مناسبات خاصة عدم قدرته على إنجاز أي شيء في ظل غياب هذا التوافق. أما الأسئلة التي كان يطرحها على وفد المعارضة، من حين إلى آخر، ويطلب منه إجابات مكتوبة، فلم تكن تخرج بصورة عامة عن نطاق الوظائف التي كان الغرض منها كسب الوقت في انتظار التوافق المعني؛ الأمر الذي يبدو أنه لم يتم حتى الآن، بل هناك مؤشرات تبين أن مسافة الخلاف بين الروس والأميركيين ستتسع، وربما ليس في سورية وحدها، وإنما في العديد من مناطق العالم. ولعل هذا الاحتمال هو ما يلقي بعض الضوء على ما صرح به مؤخرًا الرئيس الأميركي ترامب، بخصوص الانسحاب من الاتفاق النووي مع الروس، الأمر الذي يفسح المجال أمام جولة جديدة من الحرب الباردة، وسباق التسلح، والتحكّم في مناطق النفوذ. ومن دون شك ستكون سورية، بحكم موقعها المفصلي، منطقة أساسية من مناطق النزاع المحتمل.

أما الموضوع الآخر الذي لا ينبغي أن نلوم  من أجله دي ميستورا كثيرًا، فهو يتشخص في هشاشة  المعارضة السورية، وافتقارها إلى مرجعية واضحة متماسكة. فلولا ذلك؛ لما تمكّن دي ميستورا من هندسة هيئة المفاوضات ووفدها المفاوض وفق المقاييس المطلوبة روسيًا. ومعظمنا يتذكر في هذا السياق التصريحَ الشهير الذي أطلقه لافروف، غداة تشكيل هيئة التفاوض الثانية، إذ عبّر عن ارتياحه للتخلص من الأصوات المتشددة، ودعا إلى المزيد.

فالعيب فينا، وقد استغله دي ميستورا إرضاء للطرف الروسي، وانتظارًا لما ستصبح عليه الأمور بالنسبة إلى الموقف الأميركي. أو ربما كان الرجل على دراية بأن المطلوب حاليًا هو تشكيل وفدٍ كهذا تمضية للوقت، على أمل حدوث توافق أميركي روسي حول الشأن السوري، توافق لن يكون من دونه حل للموضوع، ولو في شكله الترقيعي المحدود.

ومع تغيّر الأولويات الأميركية، استنادًا إلى التصريحات والمواقف المعلنة، يبدو أن الاهتمام الأميركي راهنًا يتمحور حول ضرورة إنهاء الوجود الإيراني المؤثر في سورية، وذلك سواء بالتفاهم مع الروس مقابل شروط ترضية بطبيعة الحال، أم من جهة إعادة ترتيب التفاهمات مع تركيا، مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الإقليمية وتشابكاتها.

رحيل دي ميستورا في ذروة التوقعات الخاصة بقرب انطلاقة اللجنة الدستورية، ربما يفهم منه أنه مؤشر يوحي بتحولات على مستوى المسارات السياسية. فعلى الأغلب سيتم تعليق مسار جنيف المجمّد أصلًا. مما يفسح المجال أمام الروس للاستمرار في دفع مختلف الأطراف نحو مسار سوتشي، بعد دمجه مع مسار أستانا. ولكن كل ذلك لن يتجاوز دائرة جمع النقاط في الموضوع السوري، للتفاوض عليها مع الجانب الأميركي لاحقًا. وفي هذا السياق، ينبغي لنا التوقف عند التصريح الأميركي الذي ذكّر الروس بأن النصر الذي يتحدثون عنه ما زال بعيد المنال. حيث إن نحو 40 بالمئة من مساحة سورية هي خارج نطاق سيطرة النظام، وهي المساحات المفيدة في الشمال السوري، حيث الثروات النفطية والزراعية، والكثافة البشرية. هذا إلى جانب الموقع الاستراتيجي، سواء من جهة الحدود مع تركيا أم مع العراق.

الأمور على المستويين الإقليمي والدولي ما زالت متفاعلة، وليس للسوريين قدرة على التأثير فيها. ولكن السؤال الذي ينتظر الإجابة هو: ماذا عن الوضع السوري الداخلي؟ ألم يحن الوقت لتحرّك جاد يعيد ترتيب صفوف المطالبين بالتغيير، عبر القطع مع قوى الاستبداد والفساد والإرهاب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق