سلايدرقضايا المجتمع

منظمات الحسكة بين مطرقة (الإدارة الذاتية) وسندان الظروف الإنسانية

شروط قاسية للترخيص.. إتاوات على رواتب الموظفين.. واختيار الفئات المستهدفة

تحاول (الإدارة الذاتية) التي أنشأها (حزب الاتحاد الديمقراطي) قبل عدة سنوات، جاهدة، إظهارَ نفسها كبديل مناسب لسلطة الحكومة في المفهوم الدولي، من خلال فرض قوانيين وأنظمة، وتشكيل أجهزة سلطة ورقابة، بدأت تنافس أجهزة نظام الأسد في التضييق على المدنيين، في مناطق الجزيرة السورية.

تضع الإدارة قوانين ولوائح داخلية، تحاول من خلالها التدخل في كلّ مناحي الحياة للمدنيين، في المدن والبلدات التي تسيطر عليها، ولعل أبرزها كان التدخل في موضوع التعليم، ومحاولة فرض منهاج تدريسي خاص بها، وفرض قانون خاص بالمرور والمواصلات وتنظيم حركة المعابر، وفرض الضرائب والإتاوات على المهن والصناعات في الحسكة.

خلال فترة المعارك، بين تنظيم (داعش) وقوات (قسد) الجناح العسكري للإدارة، بدأ عدد من المنظمات الدولية، بمساعدة منظمات محلية، النشاط في محافظة الحسكة، حيث تمّ افتتاح عشرات المكاتب للمنظمات الدولية التي تقدم المساعدات الإغاثية، والدعم النفسي والصحي للمدنيين الهاربين من المعارك، أو المناطق التي تم طرد (داعش) منها.

واجهت المنظمات الدولية، بداية الأمر، عدة مضايقات من سلطات نظام الأسد، التي حاولت أن تعرقل عمل المنظمات، من خلال المماطلة في إعطاء الترخيص، والطلب من المنظمات إرسال مَحاضر الاجتماعات والكشوف المالية، وأحيانًا يُعيّن مندوب أمني في المنظمة، كل ذلك دفع المنظمات إلى فتح مكاتبها في مناطق سلطات (الإدارة الذاتية)، في مدن وبلدات الحسكة والرقة ودير الزور.

(الإدارة الذاتية) لم تفتح الباب مشرعًا لهذه المنظمات، وكان لا بدّ لها من أن تتدخل لفرض شروطها على عمل المنظمات، فأخذت ترفض إعطاء تراخيص للعمل بسهولة، من دون أخذ تعهدات بدعم هذه الإدارة إعلاميًا وماليًا، بطرق غير نزيهة، مستغلة حاجة المدنيين والنازحين داخل المحافظة.

أصدرت (الإدارة الذاتية) قرارًا بتأسيس (مكتب شؤون المنظمات الإنسانية)، وقررت تنظيمه، وفق مرسوم صادر عن ما يسمى المجلس التشريعي لـ (مقاطعة الجزيرة) عام 2015، قررت فيه جعل هذا المكتب سلطة رقابية على عمل المنظمات.

جاء في الفصل السابع من المرسوم: “يحق للمكتب مداخلة عمل المنظمات كافة، في حال حدوث طارئ أو خلل، ويقوم المكتب بمتابعة عمل المنظمات كافة، وبجولات على إدارات ومركز وفروع المنظمات ومستودعاتها، كما يقوم بالمساءلة والتحقيق في أي خلل أو حادثة، ويطلع على شؤون كافة المنظمات وماهية عملها، ويخاطب الجهات الأمنية والإدارية وينسق معها”.

إضافة إلى هذه الرقابة، تحاول الإدارة فرض رؤيتها في توظيف الكوادر المحلية لهذه المنظمات، وفي ذلك، يقول (ياسين ع ع)، مساعد موارد بشرية في إحدى المنظمات في القامشلي، في حديث إلى (جيرون): “هناك بعض الوظائف في المنظمة، يجب أن يتم التعيين فيها عن طريق سلطات الأمر الواقع حصرًا؛ فلا يحق لأحد أن يتقدم إليها، ويكون الإعلان عنها أمام المواطنين مجرّد إجراء صوريّ يتطلبه النظام الداخلي لكل منظمة”.

أضاف ياسين: “دائمًا هم من يقرر مكان عمل المنظمة، وأيّ منطقة يجب أن تستفيد من خدمات المنظمة، وأحيانًا نجبَر على تقديم نسخ من جداول رواتب الموظفين، إلى ما يسمى (مديرية مال القامشلي) التابعة لـ (الإدارة الذاتية)، حتى يتم فرض الضرائب على كل موظف حسب راتبه”.

مدير مكتب المنظمات في (الإدارة الذاتية) حسين محمد كان قد صرّح العام الماضي لموقع (ميلله ت برس) بأن مكتبه منح أكثر من 100 ترخيص لمنظمات، لتفتح مكاتبها في محافظة الحسكة، بينما أقرّ بأنه لم تعد تعمل في المحافظة حتى الآن سوى 15 منظمة دولية، منها: “IRD,IRC,NRC,MSF,Save The Children Mercy Crops“.

خلال السنتين الماضيتين، أغلقت عدة منظمات دولية مكاتبها في الجزيرة، وذلك احتجاجًا على تدخل (الإدارة الذاتية) في عملها، كما تحدث إلى (جيرون) المهندس (صالح م .م)، وهو موظف في إحدى المنظمات في ريف الحسكة، حيث قال: “عام 2014، كانت هناك منظمة تدعى (المنظمة الإسبانية لمكافحة الجوع) تعرف اختصار بـ (ACT)، طلبت من الوحدات الإرشادية في ريف القحطانية ترشيح 500 اسم، من الفلاحين المتضررين والأسر الفقيرة في الريف، لتقديم مساعدات عينية لهم، وعلى هذا الأساس، قمنا بإعداد قوائم المستفيدين من المنحة، لكن سلطات الأمر الواقع رفضت منح الإذن للمنظمة بالعمل، مشترطة إعطائها 50 بالمئة من الأسماء، لتقوم بوضعهم حسب إرادتها ورغبتها”.

                                   

أضاف صالح: “لم يكتفوا بذلك؛ فعند بدء توزيع المساعدات أرسلوا مجموعه من ثلاثة أشخاص، كانوا يأخذون من كل شخص، يستلم مساعدة، 5000 ليرة سورية بشكل مباشر، مع العلم أن معظم الأشخاص الذين رُشّحت أسماؤهم، لا يستحقون المساعدة، بل كان بعضهم من العسكريين، وعلى إثر هذه الحادثة؛ أوقفت المنظمة نشاطها بشكل نهائي”.

في سياق متصل، أكد (ياسين ع, ع) أن “كثيرًا من المنظمات ألغت عددًا من مشاريعها، وبعضها قلص نشاطه إلى الحد الأدنى، بسبب المضايقات المتكررة؛ الأمر الذي انعكس سلبًا على حياة المواطنين في المنطقة. ولا تتوانى الإدارة عن فرض حصص دائمة لعوائل العسكريين الذي قُتلوا في معاركهم، فضلًا عن أن جميع الأموال التي تنفق على عمل المنظمات يجب أن تتم عن طريق شركات الصرافة التابعة لهم”.

تحاول (الإدارة الذاتية) استغلال حاجة المدنيين في الحسكة، بسبب سوء الأحوال المعيشية وظروف الحرب التي شهدتها المحافظة خلال السنوات الماضية، لتمرير أجنداتها وفرض إتاواتها وشروطها على أي منظمة ترغب في تقديم خدمات إنسانية غذائية أو طبية أو نفسية للسكان، فضلًا عن المضايقات وإجبار المنظمات على إغلاق مكاتبها، والخروج بمسيرات المناصرة لـ (حزب العمال الكردستاني)؛ ليبقى مدنيو الجزيرة ومنظماتها المدنية، بين سندان الإدارة الذاتية وسياساتها، ومطرقة الحاجة والأوضاع الإنسانية الصعبة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق