أدب وفنون

فيليب روث

“أيها الموت.. أنت تجيء عندما تكون الأبعد من بالي”.

لم يُعرف أكان هذا القول قد حضر في ذهن روائي، اعتُبر من أبرز أدباء القرن العشرين، لحظة توقف قلبه ورحيله، أم هو افتراض أدبي في لحظة موت؟

توفي الروائي الأميركي فيليب روث الذي أخطأته جائزة نوبل، ومن وصفه كثيرون من محبيه وأصدقائه بـ “العجوز المشاكس”. توفي بسكتة قلبية، عن عمر يناهز 82 سنة، في الثالث والعشرين من أيلول الماضي، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا، وميراثًا روائيًا ثمينًا. توفي دون حصوله على جائزة نوبل الذي كان حتمًا سيشرفها، ويجعلها تعلو وتسمو، لكن حساباتها الضيقة أخطأته، كما أخطأت غيره من الكتّاب الكبار الأحرار. أمثال بورخيس، طه حسين، لوركا، حنا مينه، وغيرهم..

فيليب روث (1933- 2018)، كان واحدًا من ثلاثة كتّاب أحياء حُفظت كتبهم في المكتبة الأميركية، مع الكاتبين سول بيلو وجون أبدايك، في الوقت الذي كتب مرةً يقارن بينه وبينهما: “أبدايك وبيلو يحملان كشافهما الضوئي خارجًا في العالم، ويكتشفان العالم كما هو. أما بالنسبة إلي، فأنا أحفر كوة وأسلط عليها الضوء”.

وُلد في 19 آذار/ مارس 1933، ونشأ في مدينة نيو آرك التابعة لولاية نيوجرسي لأسرة أميركية يهودية بورجوازية مندمجة، وتلقى تعليمه في مدارسها العامة، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة باكنيل، والماجستير من جامعة شيكاغو، ولم يكمل درجة الدكتوراه.

عمل في تدريس اللغة الإنكليزية، ثم في تدريس الكتابة الإبداعية في جامعة آيوا وبرنستون، وتقاعد من مهنة التدريس عام 1992، ليتفرغ نهائيًا للكتابة، وقد تزوج عام 1990 من الممثلة كلير بلوم التي تخصصت في أداء الأدوار الشكسبيرية.

لقد رحل الروائي الأميركي الهائل، فيليب روث، رحل القائلُ: “نحن -البشر- نتركُ بقعةً، وصمةً، ذيولًا تتجرجرُ وراءنا. نتركُ دمغتَنا، تَلوّثَنا، قسوتَنا عُنفنا وأخطاءنا… ليس من سبيل سوى هذا، لكي نُثبت وجودَنا هنا…”.

رحل الروائي الذي ترك “دمغتَه” في ثلاثين كتابًا، بينها روايات كثيرة أكّدت وجوده في هذا العالم. فيليب روث “كاتبٌ داهية”، اعتبره النقّادُ “شيخَ الرواية الأميركية المعاصرة”، ومن أكثر روائيي أميركا المعاصرين حضورًا ونفاذًا إلى القارئ، لاعتبارات عديدة، منها المضمونيّ، ومنها الأسلوبيّ. من حيث جسارته الفائقة في الاشتباك مع قضايا إشكالية، وغزو حقول ألغام خطرة، قد يهابها الكتّابُ الآخرون مثل: الدين والسياسة والجنس؛ إذ إنه يخترق تلك “المُحرّمات”، ببساطةِ مَن يحكي عن فنجان قهوةٍ تناوله في الصباح، مع مطالعة الجريدة على صوت العصافير… رحل من اتُّهم مِن أصدقائه ومحيطه الديني اليهودي، بمعاداة السامية، لدرجة أن أطلق عليه اسم “اليهودي المعادي للسامية”؛ لأنه انتقد الطبقة الوسطى اليهودية الأميركية، التي تربّى فيها، ويعرفها جيدًا.

كانت حريته اللغوية من أكبر رهاناته الأدبية، ولم تمنعه لا التقاليد ولا الأديان من أن يكون كما أراد. فقد تحدث بشكل عارٍ عن الإنسان، في تحولاته مع المرض ومع الخساسة، ومع الخيانات والخوف والأطماع. وتدور قصصه حول الصراع الحاد، داخل الأميركيين اليهود بين ميراثهم اليهودي (اليديشي) من جهة، وجاذبية الحضارة الأميركية (المسيحية) والعلمانية التي يعيشون فيها، من جهة أخرى.

أثارت أعمال روث جدلًا كبيرًا، ولعل هذا يعود إلى صراحته غير العادية، وإلى أن شخصياته اليهودية شخصيات كوميدية مريضة، تكشف عن نفسها من خلال علاقات جنسية شرعية وغير شرعية، صحيحة ومرضية. وقد وصفه البعض بأنه يهودي كاره لنفسه وليهوديته.  صراحته تلك، جلبت له الكثير من الأعداء، وردّات الفعل السيئة، وكانت السبب الذي منعه من الحصول على نوبل. وهو أمرٌ كان قاسيًا عليه، ولكنه تخطاه.

توفي روث في العام الذي احتجبت فيه الجائزة لأسباب باتت معروفة، وهو الذي حصد العديد من الجوائز الأدبية مثل (بوليتزر) عن روايته “حكاية رعوية أميركية”.

عدا عن ضجيج نوبل الموسمي، عُرف عن روث أنه تحدى نفسه، وأعلن تقاعده، أو اعتزاله ثم عودته، ثم اعتزاله غداة إصدار روايته الأخيرة (نيميسيس) إلهة الانتقام في الحضارة الإغريقية، أو القدرية في الولايات المتحدة، التي لا يمكن للإنسان أن يتخلص منها. ولأنه تنبأ بموت الرواية، ورغب في أن ينعم بـ “استراحة المحارب” الذي نَذَر حياته للكتابة؛ أعلن تقاعده واعتزاله، “لأن الحياة ليست كلها كتابة روايات ونشرها… أصعب شيء في الحياة أن نكسر الصمت بالكلمات، ثمّ نكسر الكلمات بالصمت”. وأضاف: “هذا الشّيء الّذي لطالما كان ثمينًا بالنسبة إليّ، على امتداد العمر، لم يعد له مكانٌ في صميم حياتي”.

غزلَ فيليب روث نسيجَه الروائيَّ بخيوط الثقافي والجمالي والحكائي، على نحو تهكميّ فريد، يجعلك تلوكُ العلكةَ المُرَّةَ وأنت تبتسم، فيما مرارتُها تسري في جوفك.

هوجم روث، وتعرض لعاصفة من الإشاعات، واتهمه البعض بأنه يكتب عن نفسه وعائلته وعلاقاته الغرامية في شخصيات رواياته. الأمر الذي نفاه روث بحزم، وقال: “الكتّاب الحقيقيون هم كذلك، لأنهم يملكون ما لا يملكه الآخرون: المخيلة”. واتُّهم روث من قبل المنظمات النسوية بمعاداة المرأة، بعدما اتهمته زوجته السابقة “بعدم النزاهة”، الأمر الذي دفع عددًا من النساء إلى التظاهر، بعد منحه جائزة (مان بوكر). لكنه قبل أن يُوارى الثرى، وصف واقع أميركا في ظل دونالد ترامب بـ “الكابوس الّذي تعيشه أميركا اليوم، وهو في الحقيقة كابوس يرجع إلى أنّ الرجل الّذي انتُخب رئيسًا، يعاني نرجسيّة مفرطة، إنّه كذّاب كبير، جاهل، متعجرف، كائنٌ وقِح تُحرّكه روح الانتقام ومُصاب بالخرف مسبقًا. وإذ أقول ذلك، فأنا أُقلّل من عيوبه إلى أدنى حدّ. إنّه، يومًا بعد يوم، يُثير سخطنا بسلوكه، ونقص خبرته وانعدام كفاءته. ولا حدود للأخطار الّتي يمكن لجنون هذا الرجل أن يجُرّها على البلاد وعلى العالم أجمع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق