سلايدرقضايا المجتمع

السويداء.. النسبة والتناسب

على مدار سبعة أعوام، نأت أغلبية أهالي السويداء بنفسها عن ثلاثة اصطفافات، اصطفتها جميع المكونات السوريّة؛ حيث إنها:

  • نأت بنفسها على مضض، عن دعم النظام الحاكم بالرجال والمال، إلّا في الحدود الدنيا والضيقة.
  • نأت بنفسها قطعيًا، عن مواجهة النظام عسكريًا، ولم تسلك سلوك أغلبية المحافظات السورية.
  • نأت بنفسها مواربةً، عن دعم الثورة بالرجال والسلاح والمال، واكتفت بدعم محدود يكاد لا يذكر للمحافظات المنكوبة، وباستقبال النازحين إلى محافظة السويداء في الحدود الدنيا.

طبعًا، هذا الكلام يصف حالة الأكثرية الأهليّة في المحافظة، ولا يتعلق بحالة بعض الأهالي الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن النظام وعن الثورة المضادة، ولا ينتقص من بعضٍ آخر نذر نفسه لانتصار ثورة الحرية والكرامة. كما يراعي هذا التوصيف مسألة النسبة والتناسب؛ فعدد سكان السويداء 375 ألف نسمة، وهو عدد صغير نسبيًا، قياسًا إلى باقي المناطق السوريّة، ومعظمهم يعيش على دخل الاغتراب والوظيفة الحكوميّة.

وكان من نتائج سلوك النظام السوريّ المُدمِّر أن نمّى احتضان أغلبية أهالي السويداء لظواهر تتعارض مع النظام نفسه، وتؤثر في مستقبل العلاقات بين الأهالي وبين النظام؛ ظواهر مثل:

  • احتضان ظاهرة الاعتراض على نقل (داعش) من الحجر الأسود ومخيم اليرموك وحوض اليرموك، إلى تخوم السويداء الشرقية.
  • احتضان ظاهرة الامتناع عن الخدمة الإلزامية والاحتياطية، وتشجيعها.
  • احتضان ظاهرة اقتناء السلاح الخفيف والمتوسط، والامتناع عن تسليمه.

ويحتدّ هذا التعارض مرة ويخبو مرات؛ لأنّ هذه الظواهر تصبّ في تعطيل توجه النظام الراغب في إعادة بسط تحكمه على كامل الجغرافيا السوريّة، وعلى جميع المكونات السوريّة. وهذا معناه أنّ النظام فحسب، هو من ينقل (داعش) حيث يشاء من دون اعتراض أحد. وهو من يوزِّع الجنود على هواه، فلا يمتنع أحد، ولا يطلب أحد تأدية الخدمة داخل محافظته. وهو من يُسلِّم السلاح ومن ينزعه، ولا أحد يتسلح ذاتيًا. إن النظام السوري ما زال يتصرف ويفكر، وكأن سوريّة ملكه، لا شركاء فيها ولا من يحزنون.

فلقد عمل النظام السوري على نقطتين اثنتين لم تتحققا: أولاهما حماية الأقليات، وثانيهما إعادة السيطرة والتحكم. ولسان حال سلطته يقول ما معناه: هذه أراضٍ سوريّة، أتحكم فيها، وأضع فيها من يناسبني، وأهجّر من لا يناسبني، وهذا شعب سوريّة أفعل به ما أشاء لسيادتي الوطنية عليه، ولا يحق لأحد أن يدسّ أنفه في هذه المسائل الداخلية.

ثم ثبت لأهالي السويداء -بالتجربة- عجز النظام عن تحقيق هاتين النقطتين/ الأكذوبتين، فانكشفت في السويداء أكذوبة من ادّعى السيطرة على سوريّة وأكذوبة من ادّعى “حماية الأقليّات”، يوم هجوم (داعش) الإرهابي، في 25/ 7/ 2018 على القرى الشرقية الشمالية من محافظة السويداء، وعلى مدينة السويداء نفسها. وهو الهجوم الذي كان يهدف إلى إخضاع السويداء واحتلالها. وهو الهجوم الذي راح ضحيته من الأهالي 302 شهيد وخطف 12 امرأة و18 من الأطفال، حسب إحصاءات أهليّة غير حكوميّة. وقد ذبحت (داعش) فيما بعد الشاب “مهند أبو عمّار” بالسكين، وأعدمت الشابة “ثروت أبو عمّار” بالرصاص. وهناك مخطوفة ماتت لمرضها عند (داعش)، وأخرى صُفيّت أثناء عمليّة الخطف على الطريق.

وهكذا، فلم يحمِ الأقلية الدرزية مَنْ تنطّع لحماية الأقليّات، مثل النظام والروس وإيران و”حزب الله” وأميركا و”إسرائيل” ومجلس الأمن والمجتمع الدولي، بل حماها فزعة أهالي السويداء، الذين أفشلوا الهجوم وتصدوا له بالتعاون مع بعض الفصائل الموالية للنظام، كـ “القومي السوري” و”حماة الديار”، وبعض الفصائل المحايدة -ولا أقول المُعارِضة- كـ “رجال الكرامة” و”قوات شيخ الكرامة”، ومجموعة درزيّة من جبل الشيخ، وأخرى من جرمانا.

وهنا، بدأت تتعالى أصوات أهالي السويداء محملةً مسؤولية الهجوم الإرهابي للنظام والروس؛ فالسويداء باتت على قلق، وتخشى الإخضاع من جديد، الذي سيطال الممتنعين عن خدمة الجيش والممتنعين عن تسليم سلاحهم، وتعود السويداء إلى خطر هجوم (داعش) من جديد، وتُترك بلا حماية كما في المرة السابقة. وكانت النتيجة الحاليّة هي تموضع السويداء في وضع مختلف قليلًا أو كثيرًا عن باقي محافظات سورية، ويظهر ذلك في نموّ رأي عام لحماية “العرض والأرض والدين”، محليًّا.

وهكذا انتهج أغلبية أهالي السويداء نهجيين مختلفين، منذ هجوم (داعش) الإرهابي: النهج الأول تم انتهاجه يوم الهجوم، وهو التصدي للهجوم بالفزعة الأهليّة والإمكانات الذاتيّة. أما النهج الثاني فقد تم انتهاجه بعد اليوم الأول على الهجوم، وهو نهج “الدفاع السلبي” الذي يتمثل في إقامة الحواجز الأهليّة داخل المحافظة، وليس على الحدود الشرقيّة للمحافظة، وهذا ما أسفر عن قتل عشرة أشخاص بالخطأ داخل المحافظة. ثم التوجه -إلى درجة الهوس- لشراء واقتناء السلاح على نحو واسع، علّه يفيد الأهالي في الهجوم التالي؛ أي أشتري بارودة وأجلس في بيتي، وعندما تأتي (داعش) إليّ، أحاربها. ثم حرف البوصلة عن (داعش) وتوجيهها تجاه عشائر البدو والنازحين، والبدء بمراقبة النازحين وتهديدهم، والبدء بالخطف من عشائر البدو وطلب الفدية.

وكان هذا بديلًا لتمشيط البادية الشرقية، وتثبيت مواقع متقدمة فيها، وملاحقة فلول (داعش) هناك، ووضع خطة لعودة المختطفات، وتحويل القضية إلى قضية وطنيّة وإنسانيّة، وعدم الاكتفاء بدرزيّة القضية، والاتكاء على النظام والروس، لتحرير النساء والأطفال من يد (داعش). وعلى الرغم من تعالي الأصوات الأهليّة التي تتهم النظام والروس بالتقصير والتآمر، أو بتمكين (داعش)، فإن مطالبة بعض الأهالي بحماية الروس والنظام والاستناد إليهم في عودة المختطفات، يعدّ من أنواع الدفاع السلبي أيضًا. والحق يقال: إن اعتداء (داعش) على أقليّة درزيّة، وذبحها وخطف النساء والأطفال، لم يتحول إلى قضية درزيّة بعد، ناهيك عن مهمة تحويله إلى قضية وطنية وإقليمية ودولية وإنسانية.

في ظل هذه الظروف، نجد أن محاولات النظام لسحب الممتنعين إلى الجيش، ولمّ السلاح الأهليّ، ما هي إلّا محاولات قديمة، ولا ترتبط بالمختطَفات أصلًا، وقد باءت بالفشل جميعًا؛ وما “العفو” الأخير الذي أصدره بشار الأسد، وكذلك “مكرمة” ماهر الأسد للالتحاق بـ (الفيلق الأول)، للممتنعين الذين فوق 35 سنة، ومثلهما ضغط الروس للالتحاق بـ (الفيلق الخامس)، إلّا محاولات جديدة لن تتكلل بالنجاح. وذلك لأن غياب صفة العمومية الوطنيّة عن مثل هذه الحرتقات هو ما يفشِّلها، فالمطلوب هو حلّ سياسي يجعل من الجيش جيشًا عامًا لا خاصًّا، تكون وظيفته الدفاع عن السوريين وعن سوريّة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق