مقالات الرأي

جدران الكراهية

تعتمد الأحزاب اليمينية المتطرفة عمومًا على نشر الخوف والهلع من الآخر الغريب، سواء أكان مصدرًا حقيقيًا أم متخيّلًا أم مُصنّعًا لهذا الخوف. وهي في أوروبا، حيث يتزايد وجودها انتخابيًا، تعمل بطريقة منهجية على الاستغلال التام والناجح، لكل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، في اللعب على وتر خوف المواطنين الأوروبيين، من انعكاسات سياسيات الهجرة على حكوماتها أو المجموعات الإقليمية التي ترسّخت نظريًا كالاتحاد الأوروبي. وترى هذه الأحزاب عمومًا أن سياسات الحكومات القائمة، قبل ولوجها المشهد السياسي، متراخية ومتساهلة، إن لم تصل إلى نعتها بالمهترئة في كثير من الأحيان. ومع تطور الشعبوية السياسية، ووصول بعض أحزاب اليمين المتطرف (الفاشي النزعة أو النازي الهوى) إلى الحكم في أكثر من دولة أوروبية، كالنمسا وإيطاليا وهنغاريا؛ تطوّر هذا الخطاب المتطرف كمًّا ونوعًا، وانتقل من ساحة القول والخطابة إلى ساحة الفعل والعمل الجاد.

ومن أسوأ ما سجّلته الأشهر الأخيرة قيامُ الفاشيين الجدد في إيطاليا -مثلًا- بمنع أبناء بعض المقيمين بصورة غير شرعية، من الدراسة، وحرمانهم من التعليم ومن العلاج الصحي ومن السكن. أو قيام هنغاريا ببناء جدار أمني على حدودها، لدرء اللاجئين المسلمين خصوصًا، وممارستها التمييز على أساس ديني، باستقبال اللاجئين من المسيحيين، مساهمة في تعميق الهوة الدينية والطائفية بين مكونات اللجوء التي أسبابها واحدة وليست الدينية من أهمها، إن وجدت. ومن جهتها، تقوم النمسا بتقييد حقوق اللاجئين، وتعقيد إجراءات تسوية أوضاعهم إداريًا.

لقد صار العزفُ على مخاطر سياسات الهجرة القائمة، في الدول التي لم تقع -حتى الآن- فريسةً للوحش العنصري الجامح، والتي تؤدي -حسب المعادين لها- إلى إغراق البلاد في بحر من الثقافات الغريبة والدخيلة والمشوِّهة، كثيرَ التداول، ومن دون تردد. كما أن هذه السياسات -بالنسبة إلى هؤلاء المتطرفين- تعزّز الاندماج المنقوص لجموع المهاجرين، وتؤدي إلى تشكيل جزر دينية وثقافية وحضارية منعزلة، تُسيء إلى النسيج الاجتماعي الوطني “المتكامل والمتجانس”، كما يحلو لهذه المجموعات أن تدّعي. وكما يطيب، من جهة أخرى، لبعض المجموعات المهاجرة أن تُرسّخ ذلك في الأذهان وفي التفكير، من خلال تعاملاتها المنحرفة مع القوانين السارية، أو من خلال محاولة فرضها تغييرًا مجتمعيًا ثقافيًا، تعتقد بأنها حاملة لرسالته المقدّسة، بعيدًا عن احترام بلد الاستقبال في عاداته وفي تقاليده.

أوروبيًا، كما أميركيًا، بدأ السعي حثيثًا لإشادة جدران حمائية، من الأسلاك الشائكة أحيانًا، ومن الإسمنت المسلح في أحيان أخرى. كما يتم العمل على بناء حدود ثقافية ومجتمعية وعنصرية، لدرء ما يسمونه “تدفق اللاجئين” من جهة، وتأثيرهم الثقافي من جهة أخرى. وعلى ذلك؛ صار إغلاق الحدود بشكل قاطع وتعزيز التواجد الأمني حولها، عبر كل ما هو متاح من وسائل عسكرية واستخباراتية، يُعدّ الأداة المركزية في مجمل الدول الأوروبية لإدارة مسألة اللجوء. وفي هذا يبدو جليًا أن هناك حسابًا خاطئًا قصير النظر وغير متبصّر بالمدى المتوسط والبعيد. حيث إن هذه الإجراءات، مهما تشدّدت وتعزّزت، لا يمكن أن تحد من تدفق المهاجرين بل على العكس، هي في أغلب الأحيان، تُضاعف أعدادهم، ولكنها تساهم في رفع الأثمان المدفوعة للمهربين.

ويظهر واضحًا، من خلال الدراسات العلمية الجادة في مجال الهجرة واللجوء، أنه بقدر ما يكون المرشحون للجوء وللهجرة، لأسباب سياسية أو اقتصادية أو مناخية، قاطنين في دول قريبة جغرافيًا من القارة الأوروبية، فإنهم يخوضون المخاطر والصعاب من دون تردد للوصول إلى أوروبا والمكوث فيها. وبالتالي، فإن السياسة العاقلة توجب السعي أولًا باتجاه البحث في الأسباب الحقيقية لهذه الرغبة، والعمل جديًا -وليس خطابيًا- على تنمية دول الجنوب وتعزيز الديمقراطية فيها، وليس العكس بذريعة الاستقرار. ذلك أن معالجة ناجحة وفعالة، للأسباب الكامنة وراء الرغبة في الهروب، ستنعكس ايجابًا على رغبات المواطنين في ترك بلادهم، وتمخّض الصعاب للجوء إلى دول الشمال، وتدفعهم إلى إعادة التفكير بطريقة الخلاص.

من جهة أخرى، بعد وصول اللاجئين والمهاجرين، فإن إتاحة الإمكانات الإدارية اللازمة وتخصيص الأموال للعناية بهم، وتعزيز مقدراتهم الاندماجية والتأقلمية، يكلف أوروبا ماديًا أقلّ بكثير مما تكلفه سياسات الحماية الأمنية وتبعاتها الإنسانية والأخلاقية. هذا الأسلوب يمكن أن يُعدّ أكثر أمانًا من كل الأساليب الأخرى، ويُعزّز من حظوظ الإدارة الذكية للملف. فتحسين سياسات الاستقبال وتنظيمها وتسريع إجراءاتها وتبسيطها يؤدي إلى إدارة أكثر فاعلية وأقلّ كلفة وأكثر إنسانية. ويمكن لمثل هذه السياسات أن تحد من الهجرة غير الشرعية التي ينتج عنها، في كثير من الأحيان، تعزيز لدور الشبكات غير النظامية في مجمل قطاعات الحياة.

من الممكن أن يتوصل الأوروبيون، حكومات وشعوبًا، إلى قناعة تفيد بأن الحدّ من تطور اقتصاديات التهريب البشري التي تعتبر انتهاكًا صارخًا لحيوات البشر واستعبادًا حديثًا لهم، هو واجب وطني وأخلاقي وإنساني. وعلى ما يذكره الخبراء، يبدو أن كلّ الطرق والوسائل التي يتبعها المهربون، وكذلك أسماء شبكاتهم المباشرة والوسيطة، صارت شبه معروفة، والسكوت عنها نوعٌ من الشراكة في الجريمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق