أدب وفنون

سبعة أيام

 راديو: “البحر بيضحك، ليه، لي، لـ…!؟”

العاملون الذين أوصدوا آذانهم بسدّادات القطن، تدرّجت ملامح ابتساماتهم تصاعديًا، فتضاعفت من فرد إلى آخر، وكأنها لقطات متوالية “فريمات” مرسومة لفيلم رسوم متحركة، كلما تعمّقتَ في المعبر أكثر، ازدادت تطورًا وضوحًا واتساعًا. كانوا يغالبونها بجهد، خوفًا من انفلاتها وخروجها عن السيطرة، نحو ضحكات شديدة لا تتوقف.

انتهت إجراءات الدخول الروتينية. على الحاجز الأخير للمعبر، بدت ابتسامة العنصر منحوتة محفوظة مفرّزة وكأنها أُحفورة، فاضت وامتدت لتحتل باقي مساحة وجهه الطفوح، ثم تجمّدت في وضعية مبالغ فيها إلى حدود الارتياب بين إحساسه بالابتهاج والفرح العارمين، أو انطباعات ألم حاد مستمر باغته فالتصق به لا يبرح.

 راديو: “البحر غضبان ما بيضحكش”.

ورقيات، استمارات، أختام، طوابع، تواقيع…

إجراءات الدخول وتنقلاتي السريعة بين حواجز المعبر، غرفه وأبنيته، شغلت انتباهي عن وجه السائق الذي ينقلني. بعد أن انتهينا، انطلقنا متابعين دخولنا المدينة، سحبت لفافتين من علبة السجائر، والتفتُّ إليه، أعرِض عليه التدخين. أذهلني ما رأيت، خفت، هو نفس الوجه المتعب، المهموم، الغارق بالإحباط والخيبات والانكسارات قبل دخولنا المعبر، اغتصبته ابتسامة عريضة مرعبة الآن… لم أستطع السؤال ولا حتى النطق، بات تركيزي كله منصبًا في البحث عن مرآة قريبة تعكس صورة وجهي.

 راديو: “وجرحنا ولا عمره دبل”.

بمحاذاة الطريق السريع، ترامت على مسافات مختلفة خيام بؤس، وغرف مكعبة من صفيح صدئ، وعرائش عاقر لا تنجب الحصرم، وداهمتنا بين الحين والآخر، هامات بشرية على ما أظن، وقفت كالأشجار المنحنية اليابسة المتكسّرة، مهتوكة الأوراق، كأن ثمارها نُهبت على عجل، وأخرى تصبّرت كخرق مبللة على حجر أو حقيبة أو كيس كبير، جميعها كانت ترتدي الأخضر الكاكي المموّه بالطين والمسروقات والشحم والدماء، جميعها كانت هزيلة على شفا التقصّف والانهيار، جميعها وُشِمت وجوهها بابتسامة احتلتها وأخذتها إلى حافة الانفجار بالضحك. جميعها تحمل البنادق.

في الأفق، اتكأت بقايا بيوت على أكتاف بعضها البعض. خرائب مطحونة متراصة، انتصب فوقها علم ساكن، ميت لا تعترف به الريح.

 راديو: “مساكين منضحك مل بلوة”.

أنبأتنا الضحكات الهستيرية الصاخبة أننا دنونا من حدود المدينة، وأخذت تزداد وتتضح وترتفع كلما اقتربنا منها أكثر، على مشارفها ظهرت، كبيرة رمادية جرباء، أضواؤها خافتة مغبرّة، كأنها حفنة من حطام زجاج ملوّن، كُنس ثم رمي به في حفرة. الآن عرفت لماذا فرضوا علينا شراء سدادات القطن على المعبر. كانت أصوات ضحكات أهل المدينة تعصف في فضائها مجلجلة كرعود تصمّ الآذان، أحكمنا إطباق نوافذ المركبة، كي لا تنتقل إلينا العدوى، وتابعنا مسيرنا، انتشرت على أرصفة المدينة وطرقها كائنات ضاحكة، كانت بشرية في يوم ما، تشنّجت عضلات وجوهها وتحجّرت ألمًا من شدة التمدد وسرعة التقلّص، وآزرت دموعها جدولًا سقيمًا ترنّح وسط مجرى نهر المدينة العظيم، توزعت على مفارق دروبها أشباح قطط عليلة تضحك، وأشباه جنود مذهولين مجهولين يضحكون، اعتلت جسورها، هامات رجال شفيفة بأطراف مبتورة، وقفوا يبيعون أوراق اليانصيب وهم يضحكون، رمم بشرية مهترئة تحلّقت حول العربات، تضحك وتأكل الذُرة والفول النابت، وأنصاف متعددة مختلفة لأجساد أطفال، كانت تلهو ضاحكة فوق عشب الحديقة الأحمر، قلوب إناث مهروسة تسبح معلقة بالفراغ، وأعين تدلّت من أغصان أشجار جرداء، سقط الناضج منها على الإسفلت، أعين سقطت وتدحرجت، متسعة حد الابتلاع وحد الضحك.

 راديو: “ولسا جوا القلب أمل”.

أسدلتُ جفنيّ، أطبقتهما بقوة، كورّت جسدي حتى صار رأسي فوق ركبتي، وضاعفت الحراسة على مسامعي، فأجهزت على أذنيّ بكفيّ، ورحت استرجع من ذاكرتي صورًا قديمة لمعالم المدينة العظيمة.

قلعتها بعد أن بناها “أرسلان السلجوقي” بسبعة أيام، نهرها قبل أن يصفه شوقي بسبعة أيام، جبلها قبل أن يتخذه يحيى ابن زكريا بيتًا له بسبعة أيام، أسواقها الشعبية قبل أن يزورها القديس بولس بسبعة أيام، مقاهيها قبل أن يغيض نهر يزيد بسبعة أيام، متاحفها بعد أن أُوفِد الأمير جعفر الحسيني إلى فرنسا بسبعة أيام، جامعاتها، بعد أن بنى “فيرناندو محمّد دي أراندا” جامعتها الأولى بسبعة أيام، عنبها قبل أن يُعتقل غياث مطر بسبعة أيام، زيتونها قبل أن يُسرق ناصر بندق بسبعة أيام، تفاحها قبل أن يقتل باسل شحادة بسبعة أيام، فلسطينها قبل أن يختفي علي الشهابي بسبعة أيام، مسارحها قبل أن يغيّب زكي كورديلو بسبعة أيام، نبلها قبل مجزرة الساعة بسبعة أيام، قمحها قبل مجزرة طريق السد بسبعة أيام، موسيقاها قبل مجزرة جامعة حلب بسبعة أيام، فراتها قبل الإطاحة بهبل الرقة بسبعة أيام، كرمتها قبل إسقاط هبل السويداء بسبعة أيام، كرامتها بعد تظاهرة حماه الكبرى بسبعة أيام.

 راديو: “يا قُلّة الذل أنا ناوي ما أشرب ولو في الميّ عسل”.

عندما رفعت رأسي، وفتحت عينيّ وأطلقت سراح مسمعيّ، هدوووءء، كانت المدينة قد نامت، باتت على عتمة وضيم وصمت.

سحبت القطن من أُذني، أنزلت زجاج النافذة وأخذت نفسًا عميقًا، نظرت إلى السائق الناعس، ما زال يغالب ضحكاته المتسللة.

معقول؟! ما هذه الإذاعة التي تبثّ نفس الأغنية طيلة هذا الوقت؟!

نظر إلي السائق بغرابة ملؤها الملل، كابحًا ارتدادات ضحكاته المباغتة:

– “إزاعة ؟!! أيّ إزاعة يا إستاز، هاد (سي دي) حضرتك شلتو من شنتايتك بإيدك، وحضرتك حطيتو بالمسجلة بإيدك، وحضرتك عملتلّو (ري بليه) كمان بإيدك. في شي إزاعة بالعالم بتعيد نفس الغنية سبع ساعات ورا بعض!!!

– “أيوااا، بالله هيك!!؟، طيب شو رأيك بس لتخلص الغنية هالمرة منشيلو”.

 راديو: “بيني وبينك سور ورا سور.. وأنا لا مارد ولا عصفور”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق