سلايدرقضايا المجتمع

بعد العنف والنزوح؛ الاضطرابات النفسية تتفشى في إدلب

في إدلب، حيث يقطن نحو ثلاثة ملايين مدني أكثر من نصفهم نازحون، يكافح الآلاف من الذين فروا من العنف، للحصول على متطلبات الحياة الأساسية من الغذاء والدواء، وسط انتشار واسع للبطالة بين فئات الشباب، الأمر الذي تسبب في شيوع حالات الاضطراب النفسي بين المدنيين، ولا سيما عند الشباب والأطفال منهم.

يقول (عبد الله)، وهو عامل في مجال الصحة الاجتماعية يعمل مع فرق (لجنة الإنقاذ الدولية)، في حديث إلى (جيرون): إن “الاكتئاب واضطرابات الصحة العقلية الأخرى منتشرة بكثرة، في مختلف أنحاء إدلب”، مقدّرًا نسبة الناس الذين يحتاجون إلى دعم وعلاج نفسي بنحو 50 في المئة.

يتابع (عبد الله) موضحًا: “حتى قبل اندلاع الثورة السورية وانتشار العنف في البلد، كانت سورية التي يبلغ عدد سكانها 22 مليون نسمة تحتوي على 100 طبيب نفسي فقط، وذلك وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، وقد غادر نصفهم تقريبًا من البلاد، وهذا يُصعب علينا مهمة إيجاد حلول للتعامل مع ظاهرة انتشار الاضطرابات النفسية”.

يقوم (عبد الله) الذي يعمل في مركز صحي لخدمات الصحة العقلية في مدينة إدلب، بزيارات منزلية لتقديم الدعم النفسي للعائلات، لكن عندما يشتد القصف لا يستطيع عبد الله وزملاؤه التحرك من المركز، لصعوبة الوصول إلى المنطقة التي سيذهبون إليها، ويضيف: “ما زلنا نعمل ونحاول ألا نتوقف، لكننا في الآونة الأخيرة صرنا نضطر في بعض الأحيان إلى التوقف عن العمل نهائيًا، ليوم وربما أكثر، بسبب القتال العنيف”.

وبحسب (عبد الله)، فإن 90 في المئة، من حالات الاكتئاب المنتشرة في إدلب بين المدنيين، سببها الحرب، وهناك خوف دائم من النزوح عن ديارهم.

شادي بلال، وهو شاب من بلدة سرمدا في الريف الشمالي لإدلب، تحدث إلى (جيرون) قائلًا: “قبل الحرب، أتذكر رغبتي في التخرج من كلية الهندسة المعمارية في جامعة دمشق، للحصول على وظيفة والزواج وبناء منزل، أما الآن، فأنا أعيش حياة بائسة، خاصة بعد أن تفرقت عائلتي، أحد إخوتي وأبي ماتوا في القصف، وغادر آخر إلى تركيا، ولم يبق لي أحد سوى أمّي التي تقضي وقتها في البكاء على أخي وأبي، إضافةً إلى أخي الصغير”.

تم تشخيص حالة والدة شادي بـ “الاكتئاب الحاد”، بعد وفاة زوجها وابنها، حيث تقضي وقتها في عزلة تامة من دون القيام بأي نشاط، وهي تعيش على مضادات الاكتئاب، ولم تظهر تحسنًا ملموسًا، منذ أن أصيبت بهذه الحالة منتصف عام 2016 حتى الآن.

يشعر شادي بالقلق على أخيه الصغير أيضًا، ويقول: “أنا خائف على مستقبل أخي، بسبب عدم توفر المدارس في المنطقة، وحتى إن وُجدت، فهي تفتح فقط في الأيام التي لا يكون هناك قصف، أما في حالات القصف الشديد، فتتحول المدارس إلى ملاجئ، لأنها أكثر أمانًا من المنازل”، يختتم قائلًا: “أخي الصغير يخاف الذهاب إلى المدرسة، وأنا أشعر بالقلق على صحته العقلية”.

الدكتور محمد ساطو، اختصاصي بالأمراض النفسية والمشرف الطبي في (وحدة سرمدا للأمراض النفسية) تحدث إلى (جيرون) عن أكثر أنواع الاضطرابات النفسية، قائلًا: “يُعد القلق بكل أنواعه (القلق المعمّم، الرهابات، الهلع) من أكثر الأمراض النفسية شيوعًا في إدلب. أما اضطراب الضغط النفسي الحاد واضطراب ما بعد الصدمة، فيأتيان في المرتبة الثانية من حيث الشيوع، إضافة إلى اضطرابات المزاج الأخرى والاضطرابات الذهانية”.

يؤكد الدكتور ساطو أن “الظروف القاسية التي يعيشها الناس، من فقر ونزوح وقصف، هي أهم مسببات الاضطرابات النفسية، إضافة إلى الإقامة في المخيمات، وما يترتب عليه من صعوبات كالازدحام وشح الخدمات الأساسية، وفقدان المعيل بالنسبة إلى النساء، وصعوبة إيجاد عمل بسبب ارتفاع معدلات البطالة”.

وأضاف: “عدم الاستقرار والنزوح المتكرر ساهما أيضًا في إصابة البعض بحالات اكتئاب، راوحت بين المؤقت والدائم، وأكثر المتضررين من النزوح المتكرر هم الأطفال، لأنهم يستغرقون وقتًا أطول في التأقلم مع البيئة الجديدة، في كل مرة يضطرون فيها إلى النزوح مع عائلاتهم. في الأحوال الطبيعية يصاب نحو 20 في المئة من الأطفال باضطراب نفسي، فكيف سيكون الوضع في الحروب والأزمات، وخصوصًا أن العنف في سورية امتد على مدار 8 سنوات، وما يزال مصير الصراع غير معروف”.

وجدت دراسة استقصائية، نشرتها منظمة (أنقذوا الأطفال الدولية) في نيسان/ أبريل عام 2018، أن 79 في المئة من الأطفال السوريين، في مخيمات النزوح ودول اللجوء المجاورة، أظهروا علامات تدل على عواقب نفسية خطيرة نتيجة للصراع، وكشفت الدراسة أيضًا أنه في العام الأول من اندلاع الثورة السورية وانتشار العنف، بدأ أفراد الأسرة يلاحظون أن أطفالهم يرفضون أن يكونوا بمفردهم أو لا يريدون مغادرة المنزل.

وبحسب الدكتور ساطو، يوجد “في إدلب حاليًا طبيبان مختصان بالطب النفسي فقط”، وأضاف: “المعروف عالميًا أن كل 25 ألف شخص يلزمهم طبيب نفسي، ونحن نتحدث عن محافظة يعيش فيها ثلاثة ملايين شخص. كما يوجد مركز واحد فقط في الشمال السوري، هو (وحدة سرمدا للأمراض العقلية والنفسية) يعمل فيه ثلاثة متدربين وطبيب مختص واحد”.

وتقوم أربع عيادات متنقلة بتقديم الرعاية النفسية في الشمال السوري، ويعمل فيها متدربون في مجال (رأب الفجوة) في الصحة النفسية (MHGAP). ومع ذلك، تبقى هذه الجهود البسيطة غير كافية لتقديم الدعم النفسي لآلاف الأشخاص الذين أنهكهم النزوح والعنف وقسوة العيش.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق