سلايدرقضايا المجتمع

الفسيفساء السوري.. مفارقات وعجائب

كان الحديث عن الفسيفساء السوري ذا معنًى في التنوع والاختلاف، بين وجوه متعددة في الحضارات القومية والأديان السماوية، ويكاد ذلك التنوع يجمع معه كل الأديان السماوية بمذاهبها في مدينة واحدة، وفق قاعدة التعايش السلمي والتآخي الحضاري بينها، مضافًا إليها تلك الزركشة الأنيقة للتنوع الإثني والعرقي والقومي متعدد الأزمنة، سواء الغارق في التاريخ قدمًا أو المتبقي من حضارات مرت على أرضها حديثًا. سورية “بلاد الشمس” في الأرامية كانت منبع الحياة وبلاد النور والبهجة، وقِبلة كل الحضارات في حلها وترحالها، واليوم هي كذلك أيضًا، لكن بوجهٍ مخالف للعصر، وبنكهةٍ من الفسيفساء المقلوب… إنها اليوم بلاد عجائب الدنيا المقلوبة رأسًا على عقب.

في 23 نيسان/ أبريل الماضي، نشرت منظمة (يونيسف) تقريرها المتعلق بالحالة التعليمية في سورية، وجاء فيه أن 4.9 مليون طفل سوري ما زالوا يحصلون على التعليم، على الرغم من الصعاب والحرب المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات، كما تسبب النزاع في حرمان 2.8 مليون طفل من التعليم، بعضهم لم يلتحق بالمدارس البتة، إضافة إلى تدمير ما يزيد عن 309 منشأة تعليمية. وأن أعمار غير الملتحقين في المدارس تراوح في معظمها بين 15 و17 عام؛ ما يشير إلى حجم التحديات الضخمة المستمرة. “لا عجب إنها الحرب”، يقول قائل. لكن أن يضيف التقرير أن الحرب ساهمت في تحسين البنية التحتية التعليمية في دول الجوار، وخلق فرص جديدة للعمل فيها، من دون أن يشير إلى أن بعض المسؤولين اللبنانيين اعتبروا الوجود السوري فيه مصدرًا للحالات المرضية الجنسية وانتشار الأوبئة! فهذا هو العجب. ولكن لا تتعجب، إنها الفسيفساء المقلوبة.

بينما أشارت المفوضية الأوروبية لشؤون اللاجئين إلى تدهور القطاع التعليمي السوري، بدءًا من العام 2013، كان المرسوم 16 المتعلق بوزارة الأوقاف السورية للعام 2018 وتعديلاته، يذهب باتجاه التأكيد على إحداث المدارس الشرعية، وتأهيل طلابها للدراسات الجامعية، في مواده من 38 إلى 50، التي تقضي بمعادلة الشهادة الشرعية الثانوية والإعدادية، بمثيلتها من الفرع الأدبي؛ حيث جاء في المادة 41 من القانون ذاته: “لكل مدرسة شرعية موازنة خاصة تصدر من المجلس الأعلى للأوقاف”، وأجازت المادة 46 منه إمكانية الانتقال بين الصفوف المتماثلة بين المدارس الشرعية ومثيلاتها. كما أجاز تعيين الشبان أئمة للمساجد والجوامع، وفق معايير قانونية أيضًا، وما زالت الحرب على الإرهاب مستمرة! نعم إنها حرب رؤوس البصل والفجل، هجِّروا سكانها لأنهم إرهابيون، وازرعوا الدين والتدين في كل بلدات القطر عبر المفتين فيها، وإياكم أن تقربوا العلم والتعليم، فهو كارثة الكوارث وأصل الداء ومولد لكل أشكال الإرهاب! فالمتعلمون الجدد من جيل الشباب قاموا بثورة، وامتلأت السجون بهم، وفُتحت محاكم الدنيا الدولية، على إثرها تطالب بالقصاص من ذوي الألباب وحكام البلاد.. بينما كان أئمة الجوامع وخبراء الدّين خير مساعد لنا في إعادة سطوة الحكم وهيمنة أشكاله مرة أخرى، ليصبح الفسيفساء السوري أغنى وأغنى!

حلت سورية في المرتبة الأولى، لكن من مؤخرة القائمة، من حيث مستوى دخل الفرد السنوي من الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقرير الأمم المتحدة للعام 2018، الذي يحدد حسب المعايير الاقتصادية مستوى المعيشة، لا دخل الفرد الفعلي، وقد بلغ 479 دولارًا سنويًا، بمعدل 40 دولارًا شهريًا، وبمعنى أنه لا يتجاوز عشرين ألفًا! فلا عجب أنه عندما مات حمار جارنا، قال الطبيب البيطري، بعد أن كشف عليه، إنه مات بـ “الجلطة”! فنظر الرجل إلى الحمار بألمٍ، وناداه: ممكن أعرف أجتك الجلطة من وين؟! لمّا اشتريت قنينة الغاز بـ 3000 ليرة؟! ولا كيلو اللحم بـ 4500 ليرة، ولا الرز المصري بـ 350 ليرة، ولا أجتك فاتورة الكهرباء اللي بتنقطع نص الوقت، بـ 5000 ليرة!!! ولا ابنك الجحش اشتهى الموز اللي بينباع بـ 1200 ليرة!! يا حمار، متت بالجلطة “ليش”، روح الله يسامحك!

شمعون بيريز، من بلاد العدو التاريخي للأمة وفسيفسائها الأنيق، في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) الذي ترجمه محمد حلمي عبد الحافظ، وأصدرته الجامعة الأميركية في بيروت عام 1994، ووهو الكتاب الذي تعدّ قراءته خيانة للأمة ومسيرة الممانعة والمقاومة في دول الشمس! لأنه سخِر من دول الجوار العربي في إيراده لتقارير الأمم المتحدة للتنمية، وحدد نسب صرفياتها على قطاعي التعليم والصحة، مقابل صرفياتها على ميزانية الدفاع، لا يحق له أن يسخر من أن ما يمثله 0.4 بالمئة يذهب لقطاع الصحة، و2.9 بالمئة يذهب لقطاع التعليم، بينما الباقي يذهب إلى موازنة الدفاع، فعليًا منها 14 بالمئة على الدفاع! وذلك في الصفحة 109 منه! نعم لا يخجل عندما يذكر أن الجهل والفقر أصل التعصب والتشدد الديني، وأن تقاريره ابنة عام 1986، وقد حدد في الصفحة 110 منها أن متوسط العمر في ذلك الوقت كان 66 عامًا، ومستوى الدخل 870 دولار! ولماذا لم تحدّث جدول بياناتك يا سيد بيريز؟ آه لقد نسيت أن الرجل قد مات، وهو يقول إنها دعوة في الظاهر للحل السلمي مع دول الجوار، بينما هي اليوم دعوة أممية للحل السياسي السوري في عقر الدار!

يُشاع أن الحرب على الإرهاب أوشكت على نهايتها، وأن المختطفات من السويداء ودير الزور عائدات قريبًا لديارهن سالمات غانمات، بعد أن تم دحر (داعش) في الصحراء والبادية، وأننا ذاهبون إلى مطاف العصرية والتقدم، فهناك دستور جديد للبلاد، ودخل قومي مرتفع سيصب في الميزان، ولن يقارب الدولار الـ 500 ل س، فلا تتعجلوا الموت الجماعي ولا الفردي منه، فها هي بلاد الهند وحدها تتبرع بخمس وعشرين مليون دولار، لإعادة الإعمار في سورية، حسب ما يشاع! وها هما معبرا نصيب والقنيطرة قد فُتحا مع دول الجوار، ومراسيم وقوانين على الطريق، واحدة تهتم بمملكة الموت وأخرى ستهتم بدوائر الحياة! لا تتعجلوا إنه البريق القادم من شرق المتوسط، أكبر معتقلات التاريخ، كما قال يومًا عبد الرحمن منيف، على ذمته، في رواية (شرق المتوسط)، دمتم ودام الوطن!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق