مقالات الرأي

هوية الدولة بين الدين والعلمانية

صدرت ردات أفعال متفاوتة على قانون الأوقاف الذي أصدره النظام مؤخرًا، في مقابل حالة عدم اكتراث واهتمام، وجاءت بعض المواقف المستنكرة للقانون تطالب بإلغائه، للحفاظ على علمانية الدولة، واعتبرت أنه يساهم في تحويل سورية إلى دولة دينية. وغرابة تلك المواقف أن البعض ما زال يعوّل على قيام النظام بعملٍ ما، ضد تحالفاته التي بناها بإحكام على مدى عقود مع رجال دين وطوائف، لتكريس اغتصابه السلطة.

لا بدّ من نصوص دستورية تحدد هوية الدولة: علمانية أم دينية، وشكل نظامها السياسي، على أن تطبيق ذلك يحتاج إلى بيئة قانونية وسياسية واجتماعية مناسبة، وقبل ذلك إلى دستور ناتج عن عقد اجتماعي وطني، وليس مفروضًا قسرًا من سلطة دكتاتورية شمولية أو سلطات احتلال ووصاية.

جاءت دعوات علمانية الدولة الأخيرة، وسط جهود دولية لتشكيل لجنة دستورية مشتركة بين النظام والمعارضة، لإعداد مشروع دستور جديد، ومن قبل أعدّت روسيا مشروعًا للدستور السوري سلّمت نسخًا منه للنظام والمعارضة، وزادت من زخم تلك الدعوات الفرصة المتاحة لإدراج نصّ، يؤكد علمانية الدولة في الدستور المزمع تحضيره وإقراره.

طرحت المعارضة رؤيتها بخصوص عقد اجتماعي لسورية المستقبل، في وثيقة العهد الوطني التي جرى إقرارها في القاهرة 2012؛ لكن تلك الوثيقة لم تقدم رؤية وطنية شاملة لإنتاج علاقات متكافئة بين المكونات السورية القومية والطائفية، وكانت تهدف إلى الوصول للقواسم المشتركة بين فرقاء المعارضة استجابة لمطالب الدول الداعمة والراعية لها، وتم الإعلان في الوثيقة أن سورية دولة مدنية ديمقراطية تعددية، يجري تداول السلطة فيها بشكل سلمي، لكنها لم تحدد بشكل صارم هوية الدولة السورية القادمة: أهي دينية أم علمانية؛ وجاء توقيع الإخوان المسلمين عليها بهدف تبديد المخاوف من تواجد حركات الإسلام السياسي في قيادة المعارضة.

بالتزامن مع ذلك، أجرى النظام تعديلات دستورية طالت بشكل أساسي المادة الثامنة التي كانت تنص على احتكار حزب البعث للسلطة، وتمّ فرض الدستور من خلال استفتاء شعبي وفق طرق النظام المعهودة في تمرير الاستحقاقات، وعلى الرغم من أن تعديل الدستور كان في صلب المطالب في بدايات الثورة، لم يحدث أيّ تأثير يُذكر لكونه جاء بعد فوات الأوان؛ وبقي الدستور ملكًا للنظام الذي يمتلك وحده صلاحية تفسيره وتأويله والعمل بنصوصه، وقت ما يريد مع أولوية مصالحه، ولا يبقى أي معنى أو أهمية لأي نص دستوري في ظل سلطة غير شرعية.

وعلى الرغم من الزوبعة المستمرة، حول العلمانية والندوات والنقاشات والسجالات الفكرية، لتحديدها وشرحها؛ فإن مفهوم علمانية الغرب هو السائد، دون بروز مفهومنا الخاص عنها.

تشير العلمانية في العقلية الجمعية إلى الكفر والإلحاد ومحاربة الأديان السماوية، مع انفلات أخلاقي وجنسي خاصة لدى النساء تحت غطاء الحرية الشخصية، ومن الصعب تغيير هذه الصورة النمطية التي تثير حساسيات واسعة في مجتمعات محافظة، ويزيد من ذلك حملات بعض العلمانيين بالهجوم المستمر على الحجاب، وربط تخلف المجتمع بالدين، والتهكم على مواقف وفتاوى غريبة لبعض رجال الدين؛ وهذا يفتح الباب أمام هجوم معاكس شرس ضد العلمانيين.

تحقيق العلمانية ليس غاية بحد ذاته، وهو يهدف إلى تحقيق غايات اجتماعية تنموية بالدرجة الأولى، وليس حالة ترف فكري أو نمط حكم سياسي؛ وهذا يستدعي أن نبحث عن النموذج الواقعي الخاص بنا الذي نستطيع تطبيقه والاستفادة من نتائجه.

بات الوصول إلى العلمانية ممكنًا، مع انتشار دعوات واسعة للفصل بين الدين والسياسة، وقبول ذلك في أوساط واسعة؛ وجاء ذلك على خلفية فشل حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون، وعزز ذلك الأمر سلوك الحركات الجهادية التي فرضت الإمارة والخلافة بالقوة، ومارست التطرف والتشدد والإرهاب تحت غطائها، مما أدى إلى حالات نفور شعبي واسعة منها.

ليس من السهل تخليص سورية من تأثير المحيط المتفجر حولها، والمهم أن نستطيع الابتعاد عن تكرار تجارب فاشلة في العراق ولبنان، وأن نعمل على ابتكار حالة سورية خالصة فريدة: حالة مستندة إلى الحريات وعدم مصادرة الهوية الثقافية والقومية والاجتماعية والدينية لكافة المكونات السورية.

هناك حاجة إلى تضافر الجهود الوطنية المخلصة، في مجال التنوير لتجاوز حالات الجهل والأمية التي استشرت، ولتجاوز آثار الفقر والتدمير والتهجير والفشل وتحقيق التنمية الشاملة الموعودة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Close