سلايدرقضايا المجتمع

نساء الركبان.. معاناة مضاعفة وانتهاك لأدنى الحقوق

20 ألف امرأة يعانين سوء الوضع الصحي والغذائي.. الأردن ونظام الأسد يتحملون المسؤولية القانونية

“نصحني الأطباء بالإسراع في معالجة ابنتي قبل أن تُصاب بالشلل التام، لأن حالتها تتفاقم يومًا بعد يوم، لكن ظروف الإقامة في المخيم تحول دون إنقاذها، وقد بدأ اليأس يتسلل إلى قلبها، حيث باتت ترفض أن تتكلم مع أحد بخصوص حالتها”، هكذا تكلمت لـ (جيرون) أمُّ الطفلة عذاري حسين درويش (14 عامًا) التي تعاني إصابة في النخاع الشوكي، ولكن ضعف الإمكانات الطبية في المخيم زاد حالتها سوءًا، في ظلّ رفض الأردن إدخالها للعلاج، وهي تناشد الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التدخّلَ لإنقاذ حياة ابنتها.

جيرون – أقدام عذاري تظهر عليها تقرحات نتيجة المرض -مخيم الركبان 2018

تكمل الوالدة: “تعاني ابنتي مشكلة في النخاع الشوكي منذ عدة سنوات، وقد أجرينا لها عملية (انشطار نخاع)، قبل 9 سنوات، وبقيت أمامَها عملية (تحرير العصب)، وهي عملية حساسة جدًا، كما أخبرني الأطباء، ولم نستطع إجراءها بسبب النزوح”. وأضافت: “كلما كبرت عذاري؛ ازداد انحناء الركبة في رجلها اليسرى، وصار لديها ضعف إحساس في أطراف قدمها، وبدأت تظهر تقرحات في الأصابع، كما أنها بدأـت تعاني أزمة نفسية، لابتعاد صديقاتها عنها وتجنب الجلوس إليها، بسبب خوفهن أن يكون مرضها معديًا، وهي الآن محبطة جدًا، حتى إنها ترفض -عندما تسوء حالها- تلقي أي مساعدة طبية”.

عذاري واحدة من آلاف قصص المعاناة التي يعانيها الناس في مخيم الركبان الذي يشهد أزمة إنسانية متفاقمة، نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات النظام السوري، والحكومة الأردنية، بعد منع المنظمات من إدخال المساعدات للمخيم الواقع على الحدود السورية الأردنية، وسط صحراء قاحلة.

يضم المخيم نحو 60 ألف مدني، وتشكل النساء، بحسب ناشطين هناك، نسبة الثلث تقريبًا، حيث يبلغ عدد النساء نحو 20 ألفًا، وهنّ يعانين ظروفًا مأساوية، و”بخاصة من الناحية الطبية”، حسب ما قال لـ (جيرون) عماد غالي -ناشط إعلامي من مخيم الركبان- مبيّنًا: “أكثر المشكلات التي تواجه النساء هي الطبابة، وخاصة مسألة الولادات القيصرية، حيث لا يوجد في المخيم مشفًى، وقد سجّلت خلال الأشهر الماضية وفاة 20 امرأة، أثناء الولادات، بسبب عدم توفر مشافي في المخيم، وصعوبة الوصول إلى النقطة الطبية الأردنية”.

من جانب آخر، أكدت المعلمة صفاء لـ (جيرون) ضرورة إيجاد حلّ عاجل لتلك المشكلة، حيث قالت: “حالة النساء في المخيم يرثى لها، والأكثر معاناة هنّ الحوامل والمريضات، كما تعاني النساء معاناة إضافية، بسبب عدم توفر الحليب لأطفالهن، وأكبر صور المعاناة للنساء تكون أثناء الولادات، حيث لا يوجد مشافي مجهزة، بل عيادات لقابلات بدائية، تفتقر إلى كثير من المعدات الأساسية اللازمة لإنجاح عملية الولادة”.

تعاني النساء، إضافة إلى سوء الوضع الصحي، نقصًا شديدًا في الطعام، بسبب عجز المنظمات عن إيصال المساعدات الإنسانية، فضلًا عن عدم توفر المياه الصالحة للشرب، حيث يضطر السكان إلى الشرب من المياه الجارية، كما أن المخيم، بسبب سوء الأحوال المعيشية، بدأ يشهد انتشار مشكلات عائلية، غالبًا ما تؤدي إلى الطلاق، حتى أمسى هذا الأمر ظاهرةً يصعب إخفاؤها.

جيرون – نساء في مخيم الركبان -2018

يقول غالي موضحًا: “تعرّضت عشرات النساء في المخيم للطلاق، خلال الفترة الماضية؛ بسبب عجز الزوج عن تأمين احتياجات عائلته، وأصبحت المرأة ضحية للأزمة الإنسانية في المخيم، كما أن المخيّم، بوضعه الحالي، لا يوفر أي فرصة عمل للمقيمين فيه، والمرأة فيه مهمشة، باستثناء عدة معلمات في المدرسة”.

وأضاف: “المرأة في الركبان تعاني أيضًا مشقات الحياة في الصحراء، وخاصة أن معظم المقيمين في المخيم هم من سكان المدن، مثل حمص وتدمر والقريتين ومهين، بالتالي هناك صعوبة في تأقلم النساء مع ظروف المعيشة الصحراوية الصعبة في المخيم”.

من جانب آخر، قال أحمد محمد الهيان، رئيس بلدية مخيم الركبان، لـ (جيرون): “يوجد في المخيم أكثر من 3000 امرأة أرملة، وحالتهن صعبة جدًا، كما تعاني النساء من ضعف الخدمات الطبية وندرة المستلزمات النسائية. المخيم يعاني أزمة إنسانية متفاقمة، ونناشد الحكومة الأردنية التدخل والمساعدة”.

معاناة النساء في مخيم الركبان تشكل جزءًا أساسًا من المعاناة العامة للمخيم التي تفاقمت خلال الأيام الماضية، وتم تسجيل عدة حالات وفاة لنساء وأطفال، بسبب سوء الوضع الصحي، وخاصة مع قرار إغلاق النقطة الطبية الوحيدة التابعة لمنظمة (يونيسف) الأسبوع الماضي.

الناشطة في حقوق المرأة ومديرة البرامج في تحالف (شمل) عليا مطر أكدت لـ (جيرون) تعاطفها مع “النساء داخل المخيم، لأنهن الفئة الأكثر تضررًا من هذه الأزمة الإنسانية. وبالإضافة إلى معاناتهن، هن يتضررن من معاناة أطفالهن أمامهن، من غير أن يكنّ قادرات على فعل شيء. ولكوني أمًا؛ أنا أعرف أن هذه الحال من أصعب التجارب التي يمكن للمرأة أن تتعرض لها”.

عن موقع المنظمات الدولية من هذه المأساة، قالت مطر: “الأعمال الإغاثية لم تعد تجدي الآن، حيث إن الناس، والنساء بشكل خاص، داخل المخيم بحاجة إلى مناصرة حقيقية، تكون قادرة على فتح أي طريق لدخول المساعدات، الغذاء والماء، ومساعدة المرضى، بعد أن أغلقت المملكة الأردنية الحدود تمامًا في وجوههم. حاليًا إن أيّ مرَضٍ هو قادرٌ على الفتك بأي شخصٍ، فما بالك بالسيدات اللواتي هنّ أكثر هشاشة وأقلّ مناعة ضد الأمراض. يجب أن يكون التحرك فوريًا وجديًا”.

جيرون – نساء مخيم الركبان -2018

التضييق على المخيم يشكل انتهاكًا صارخًا لمعايير حقوق الإنسان، حيث تنتهك الحكومة الأردنية، بإغلاقها الحدود في وجه سكان المخيم ولا سيما المرضى من النساء، المادةَ 14 من اتفاقية حقوق الإنسان الموقعة عام 1949، وهي تنصّ على أن “لكلِّ فرد حقَّ التماس ملجأ في بلدان أخرى، والتمتُّع به خلاصًا من الاضطهاد”، كما ينتهك النظام السوري، عبر تضييقه على سكان المخيم، المادةَ الثالثة من نفس الاتفاقية التي تنص على أن “لكلِّ فرد الحقّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه”.

وتنتهك حكومة النظام، بتنصلها من مسؤولياتها تجاه المواطنين السوريين، المادة 25/ 1 من الاتفاقية ذاتها، وهي تنص على أن “لكلِّ شخص الحقّ في مستوى معيشة، يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته، وخاصَّةً على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية، وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية”.

بسام الأحمد، مدير منظمة (سوريون من أجل الحقيقة والعدالة)، قال لـ (جيرون): “لا يتوفر في المخيم أدنى معايير حقوق الإنسان، من حيث المسكن اللازم، والمياه الصالحة للشرب، وتوفير الطعام والخدمات الطبية، وللأسف إن الأطفال والنساء هم أكثر الفئات تهميشًا وتضررًا، خلال الحروب”.

أضاف الأحمد: “بتصوري، إن مشكلة المخيم بدأت تتفاقم هذه الفترة، بهدف سياسي من أجل إغلاق هذ الملف، عبر الضغط على السكان، ووضعهم أمام خيارين: إما إجراء مصالحة والعودة لمناطق سيطرة النظام، أو المغادرة باتجاه الشمال السوري”.

جيرون-نقل المياه بطرق بدائية -مخيم الركبان 2018

حول الجهة المسؤولة عما يجري في المخيم، قال الأحمد: “المخيم لا يمكن تمييزه: هل هو مخيم للنازحين داخليًا، فتتحمل حكومة النظام المسؤولية عما يجري فيه، أم أنه مخيم للاجئين خارج الحدود فتتحمل الأردن المسؤولية، وبالتالي أعتقد أن المسؤولية مشتركة، وفي ظل هذا الوضع الحساس للمخيم، تتحمل حكومة النظام والحكومة الأردنية كلتاهما المسؤوليةَ عن فتح الطرق لإدخال المساعدات للمخيم”.

كان النظام السوري قد اتفق مع وجهاء في المخيم، بداية الشهر الحالي، على تسوية أوضاع من يرغب من سكان المخيم، تمهيدًا لعودته إلى مناطق سيطرة النظام، كما تعهد بافتتاح نقطة طبية في منطقة محايدة، وبالسماح لسكان المخيم بالتزود بمياه الشرب، وإدخال قوافل مساعدات بإشراف (الهلال الأحمر)، ولكنه نكث تعهده، ولم ينفذ أيًا من بنود الاتفاق، وقام بإغلاق الطريق الوحيد بين السويداء والمخيم، مانعًا إيصال المواد الغذائية والدوائية للسكان، بهدف الضغط عليهم من أجل القبول بشروطه.

يذكر أن مخيم الركبان يقع داخل الأراضي السورية، في المنطقة الدولية منزوعة السلاح على الحدود السورية الأردنية، وقد تأسس عام 2015، عند فرار آلاف العوائل من مدن تدمر والقريتين ومهين شرق محافظة حمص، نتيجة المعارك بين تنظيم (داعش) والنظام السوري، وقد منعت الحكومة الأردنية المدنيين من اجتياز الحدود؛ ما اضطرهم إلى تأسيس مخيم على الحدود وسط الصحراء، يفتقر إلى أدنى معايير الحياة.

تم إنتاج هذه القصة الحقوقية بدعم من منظمة (صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR ) ومؤسسة دونر الكندية (  Donner Canadian Foundation ).

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق