هموم ثقافية

دول الرماد والإبداع

ليس صدفة وليس عبثًا، في دول العسكر ودول الاستبداد، العناية والتعظيم والتكريم، الذي يوجه لأنصاف المبدعين، وليس صدفة خلق واختراع وإقامة، مهرجانات وندوات وهيئات ذات صفة، وتكون وبناء، منظمات شبيبة وطلائع، كي يرضع الأطفال والفتيان، سلفية السلطة وعنجهيتها ونهجها، وكسر أرواح المواطنين، ومنهم المبدعون الحقيقيون الموهوبون، منذ نعومة أظفارهم.

ليس صدفة أن رياض الأطفال منذ الصباح تنشد نشيد السلطة والقائد، وكذلك المدرسة والجامعة والنوادي الرياضية والثقافية. جميعها جزء من مكون الدعاية الشمولية للاستبداد، وللسيد الرئيس أو جلالته أو الحزب القائد والعائلة القائدة الملهمة.

حصل كل هذا بعد رحيل المستعمر الكولونيالي مباشر، عندما تبوأ العسكر السلطات، بشعارات قومية وإسلاموية متأججة، قبيل رحيل المستعمر وحدوث الاستقلال… الشعارات الفكرية لحقت الشعارات السياسية التي لم تتوقف لحظة عند الاستقلالات الوطنية (حتى الشكلية)، بل بقيت بذات الشعارات القديمة، وتحولت هذه الشعارات إلى معتقلات سياسية وجسدية وفكرية وإبداعية، وأصبحت البلدان، دول رماد..

لذلك نستطيع القول إنه في (دول الرماد)، يتم دائمًا رعاية أنصاف الموهوبين وأرباع المبدعين، لا لشيء سوى لهزيمة المبدع الحقيقي، هزيمته على الصعيد الخارجي وعلى الصعيد الروحي، ومن ثم ينعكس على منهج تفكيره وعلى قدرته الإبداعية... لأن (أنصاف المبدعين!) يحافظون على مستوى السلطات المتدني، بمستواهم المتدني والركيك، ولأنهم يكوّنون حالة التبرير للسياسي الفاشل.

فيبدو المثقف والمبدع، وقد تحالف مع هذه الأنظمة، وتآمر على ذاته وعلى الإبداع والأفكار، وبدأ يستنسخ تجارب مفكرين من دول متقدمة، وهذه الدول كانت في طور آخر من البناء الاجتماعي والاقتصادي والصناعي. وقد فعل ذلك (المثقف) لأن هذا الفعل كان وتطور برعاية منظومة محكمة من التربية والتضليل، بحيث جعلت المبدع والمفكر يفعل كل ما يفعل، وهو يدور في فلك المنظومة الاستبدادية بقناعة وإخلاص. وهو في حقيقة الأمر وواقع الحال، كان وأصبح نتاج الاستبداد ذاته، ببنيته الفوقية المهشمة والمؤطرة، في عقل المستبد.

إن لعبة الإبداع وحركة الفكر، جزء من منظومة الجمال، الذي يمكن اختصاره بـ (فعل الضرورة)، فكانت ضرورة المبدع والمفكر ضمن ضرورة المستبد ومنظومته السلطوية، وضمن الشعار الزائف، المضلِل والمضلَل للشعب والجمهور.

الأيديولوجيات حكمت الإبداع والفكر على الطريقة التي حكم بها الاستبداد، واختلط على المفكر والمبدع، بأن يكون ضمن بوتقة الترويج للدعاية الاستبدادية من جهة، وهو بخلده يقاوم التخلف بالشعارات! وتبارز معه، المفكر الرجعي الديني، بذات الطريقة، حيث دارت بخلده مقاومة التغريب، والفكر الأجنبي، بروح محافظة ميتافيزيقية أسطورية، وهي فرع آخر من تعليمات ومكونات المستبد والاستبداد.

هكذا تحكمت الأيديولوجيات القاتلة والراديكالية، حيث نحّت جانبًا الشرط الرئيس للإبداع، وهو الحرية، لا مبدع ولا مفكر خارج منظومة الجمال، والجمال هو النبت الناضج واليانع لماء وتربة الحرية.

كل الأيديولوجيات المتاحة التاريخية أمام المبدع العربي، كانت تعادي الحرية بشكلٍ وبطريقة ما، وبحجج كثيرة، ومبررات محكمة التركيب من الدعاية والتضليل اليومي للاستبداد. وقد تم إنتاج مبدع ومفكر ومثقف مستبد أيضًا، وبكثافة وقدرة ولعبٍ على حبال ضرورة السلطات، وليس ضرورات الحرية والكرامة والانعتاق .

لذلك تم خلق طبقة من أشباه المبدعين، بهياكل شبه حكومية، من روابط ونقابات وتجمعات إبداعية زائفة، قادها العقل الأكاديمي، من خلال مؤسسة الجامعة التي تم تركيبها، ومن خلال عقل السلطة المستبدة، وبإشرافها الأمني والتضليلي؛ حيث منحها شهادات تؤهلها لمواصلة الانخراط في تخريب الإبداع الحقيقي والثوري الجمالي.

تحالف العقل السلفي الديني والقومي والتراثي وعلماء الأنثروبولوجيا، الأدب والفكر والتراث والفلكلور، لبعث المثال التاريخي البائس، وإبعاد كل ما هو إبداعي وفكري، عن حركة الكون الإبداعية والفكرية وما يوازيها، من تقدم في الحريات العامة والخاصة. يستعيرون الحداثة الأدبية وما بعدها، ويغضون البصر؛ بل يكافحون حاملها الأساسي من حرية وديمقراطية وتطور.

بلدان الرماد أسست للون الرمادي، وكافحت قوس قزح وألوانه، وزجت في السجون المبدعين، ومن لم تسجنه، هددته بكل الإمكانات المتاحة للسلطة، من عدم السماح بالسفر أو العمل أو النشر… وبمعنى آخر، قاوم الاستبدادُ ومنظوماته، بالتحالف مع المثقفين المضلَلَين، كلَّ روح جمالية، بينما على الأرض، لا حدائق لا جمال في البنيان، ولا أماكن للتأمل والترفيه.

وقد ساعد السلطات المتخلفة الاستبدادية المتسلطة، الثورةُ الإعلامية، من خلال الميديا المصورة والمسموعة، وساعدها امتلاكها لهذه الأدوات الإعلامية، من خلال استغلال موازنات الدولة وخيراتها، وأحكمت الأشياء على الأشياء؛ فخرج المبدع، صورة بائسة منعكسة عن هذه الأنظمة القرن وسطية.

إنها محاكم تفتيش بطريقة ما.

Tags

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

Close
Close