أدب وفنون

(لا كوميديا).. لغة الجسد والرسائل العابرة للحدود

“الحب طاقة إنسانية هائلة، وعامل أساس من عوامل نجاح أي منجز فني. أن تحب عملك ومن تعمل معهم، ومن تتوجه إليهم، هذا يعني أنك ستمنحهم باستمرار أجمل ما لديك من أفكار ومشاعر ومهارات”. هذا ما قالته الفنانة البلجيكية ألينا بلاتشكوفا بلغتها الفرنسية العذبة، في مؤتمر صحفي عُقد بإدارة البروفيسور لوبومير ستويكوف، لإطلاق عرضها المسرحي (لا كوميديا) في صالة “المسرح الجديد” بقصر الثقافة في العاصمة البلغارية صوفيا.

(لا كوميديا) هي المسرحية الأولى لفرقة “الثلاثي بلاتشكوفي” المكونة من: ألينا وزوجها ستيفان وولدهما ساشا، والمثير للفضول، في هذه التجربة الحديثة الولادة، أن الفرقة تأسست في بلغاريا بمبادرة ودعم الممثلة الأميركية البريطانية فيكتوريا شابلن، أصغر حفيدات الفنان الكبير شارلي شابلن، وأنها نتاج التبادل المعرفي والشراكة الفنية المثمرة بين شخصيات من مشارب وجنسيات مختلفة، جمعتها المصادفة.

الفنانة ألينا هي إحدى حفيدات الممثل جورج ديفيس (1889- 1965) الذي شارك شارلي شابلن في فيلم (السيرك) عام (1928)، وُلدت في دانيا، ودرست في “الباليه الملكي” وفي “الأكاديمية الموسيقية”، احترفت ألعاب الخفة والسحر، وحازت الميدالية الذهبية لمهرجان (سيرك الغد) الدولي في باريس. أما ستيفان بلاتشكوف فهو فنان بلغاري الأصل، أنهى دراسته في “مدرسة السيرك” بموسكو، واختص بألعاب الخفة والتوازن وفن المهرج، عمل في “سيرك البلقان” وشارك في مسرح (برودواي)، ونال جائزة “توني” وهي واحدة من أهم الجوائز التي تُمنح للتميز المسرحي.

تعرفت ألينا إلى ستيفان في برلين عام 1991، أثناء مشاركتها في أحد عروض السيرك، وكلاهما وقع في غرام الآخر من النظرة الأولى، تزوجا، وتابعا معًا مسيرتهما الفنية في ما يزيد عن خمسين دولة من دول العالم، والتقيا بالثنائي الفني فيكتوريا شابلن وزوجها الممثل الفرنسي جان باتيست تيري، ولسنوات طويلة من الصداقة واللقاءات التي جمعت بينهم، كانوا يناقشون فكرة استعادة التعاون الفني بين العائلتين، وإحياء فن التمثيل السينمائي الصامت وأسلوب شابلن على خشبة المسرح، إلى أن خرجت إلى النور مسرحية (لا كوميديا) التي تقوم أساسًا على مبدأ المزج والتلاقح بين الأساليب والتقنيات المختلفة، من عروض السيرك والمهرج إلى كوميديا دي لارتي وفن الإيماء والمسرح الحركي، كما جاء على لسان ألينا وستيفان في المؤتمر الصحفي.

في المشهد الأول من العرض ثمة مخرج ينتظر فرقته كي يبدأ بتدريبها، وفي المشاهد الأخرى ثمة امرأة محبطة تتسكع وحيدة، وتحلم أن تصبح إحدى نجمات هوليود، وتشاء الأقدار أن تجمعها بالمخرج الذي يقع في حبها، ويدعوها للمشاركة في عروضه الجوالة. تدخل عالم التمثيل، وتصبح نجمة شهيرة، وتهجر من أحبها وآمن بموهبتها، ويُتوج صعودها على سلم النجاح بحصولها على الأوسكار، لكنها ما إن تستلم الجائزة العالمية حتى تشعر بالخواء، وتدرك أن النجومية مثل الحياة العادية لا طعم لها من دون الحب، فتعود لتكمل دربها مع الرجل الذي قلب حياتها.

القصة بسيطة وناعمة، تتبلور وتكتمل في سياق حبكة تقليدية، تراعي التسلسل الزمني والتصاعد الدرامي، وصولًا إلى لحظة الذروة التي تمثلها جائزة الأوسكار، والمقولة التي تنضوي على قيمة أخلاقية عالية، ليست جديدة، لكن أسلوب الإخراج والتمثيل ينتمي إلى نظرية ما يُعرف بـ “مسرح ما بعد الحداثة”، ويعتمد على الحوار والتمازج بين مناهج وفنون قد يصعب الدمج فيما بينها، ويتقاطع مع المهارات الأدائية لألينا وستيفان التي لا يمتلكها سوى الممثل الشامل، وهو الذي يستدعي الدهشة والانتباه في تصميم دراما المشهد الصامت، وابتكار لوحات العرض.

تصميم المشهد يحاكي قواعد المسرح الحركي وفن الإيماء، والأداء يستند إلى نظرية ميرخولد في التمثيل ورهافة شابلن، وجمعيها تعتمد لغة الجسد في أوج قدرته على الإيحاء والتعبير، بما يكتنز من معارف وخبرات وإمكانات، وفي سياق هذه الخلطة تتداخل مهارات عروض السيرك التي يتقنها “الثلاثي بلاتشكوفي” من ألعاب الخفة والليونة والتوازن والتهريج والرقص وغيرها، وتخضع جميع مفردات التكوين لضبط مدروس وصارم، ينتج إيقاعًا موحدًا للحركة والسكون في مختلف لوحات الدراما الصامتة، وفي تتابعها الرشيق.

تغطي خلفية الفضاء المسرحي شاشة كبيرة، تنعكس عليها بين الحين والآخر صور أو مقاطع فيديو، تشير إلى تغيّر الأمكنة والمناخ النفسي للشخصيات، وتشكل جزءًا من الديكور المتحرك، المكون من الحقيبة وعدد قليل من الأغراض، يقوم الفنانون بإدخالها وتوزيعها على الخشبة مع بداية المشهد، بينما تترافق الأحداث والأفعال بشريط سمعي مسجل، قوامه الألحان والأغاني والمؤثرات الصوتية التي تندغم في البنية العامة للعرض، وتغنيها بالمزيد من الأثر الدرامي والجمالي، في حين تبدو الأزياء حديثة، أنيقة، زاهية الألوان ومريحة للحركة، مع القليل من الماكياج على وجوه الممثلين، يبرز الملامح الطبيعية ولا يخفيها.

الانتقال بين مشهد وآخر يتمّ عبر ثلاثة أشكال: إما بتغيير الصورة على الشاشة الخلفية، أو عبر وقفات الإظلام، أو من خلال استخدام تقنية كسر الجدار الرابع، وهو استخدام، بالمعنى الواسع للكلمة، يستلهم أصول “كوميديا دي لارتي”، ويفتح بالكامل العلاقة بين حيز العرض وحيز الفرجة، حيث يدخل الممثلون وسط الحضور، ويختارون عددًا منهم بشكل عشوائي، ليشاركوهم التمثيل والارتجال على المشهد الذي يقوم أصلًا على مفارقات الحياة الساخرة، وهنا تتبلور اللوحات الأكثر إضحاكًا، وتبدو المسرحية وكأنها لعبة تتخلق باستمرار، وتقبل التطوير والإضافة من عرض إلى آخر تبعًا لمواهب المتلقين.

ليس من السهل الكتابة عن مشهد الحب بين المخرج والممثلة، الذي أداه ستيفان باستخدام تقنية التوازن في السيرك، وبدا معه العاشقان وكأنهما يسبحان في الفضاء، ومن الصعب توصيف تقنية العجلة التي نفذها ساشا للتعبير عن جولات الممثلة على المسارح العالمية وعلاقتها بالجمهور، ومن المشاهد التي لا تُنسى مشهد العزف المنفرد الذي أدته ألينا بواسطة الكرات الصغيرة، على لوحة مفاتيح آلة بيانو موضوعة على الأرض، ويُقال إنها الوحيدة التي تتقن هذا الشكل من العزف في العالم.

وحده من حضر مسرحية (لا كوميديا) سوف يلمس مذاقها الخاص، وقيمها العالية التي تنبع من حوارها الرصين مع مختلف الفنون، ومن تكثيفها العميق للمشترك الإنساني فينا، ووحده سوف يستمتع بالتشكيلات التي تصوغها لغة الجسد، وهي تؤلف صور دراما الصمت، وتنساب في تتابع سلس، وكأنها علامات موسيقية في سيمفونية تضج بالرسائل العابرة للحدود والثقافات، وهو ما أعاد إلى ذهني قول النفّري: “كلما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة”.

* عرض (لا كوميديا) مساء السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2018 في صالة “المسرح الجديد” بصوفيا/ بلغاريا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق