تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

جمال خاشقجي.. “قصة موت مرعب” ما تزال وقائعها مخفية المعالم

سال حبر كثير منذ اختفاء الكاتب الصحفي جمال خاشقجي، الثلاثاء الثاني من الشهر الجاري، وراجت وما تزال توقعات وتحليلات وشائعات وأقاويل وتسريبات سوداوية عن مصيره، من مصادر تركية وسعودية ودولية متعدّدة، في ظل غياب معلومات مؤكدة حول مصيره حتى الآن. وسواء أكان المعارض السعودي فُقد أم خُطف أم اُعتقل أم قُتل، فإن هذه القضية تثير كثيرًا من التساؤلات، وتؤكد وجود ثغرات أمنية عديدة؛ ما دفع بالأمن التركي، بحسب محللين سياسيين، إلى تسريب إشاعة مقتل خاشقجي لإجبار النظام السعودي على الكشف عن مصيره، بعدما تأكد دخوله مبنى قنصلية المملكة في إسطنبول وعدم خروجه منها حيًا أو ميتًا.

وسائل الإعلام التركية والعربية والعالمية تواصل متابعة تطورات قضية اختفاء خاشقجي، وفي آخر الأنباء ما ذكرته صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية، في عددها الصادر يوم الجمعة، أنّ “الحكومة التركية أبلغت الإدراة الأميركية بامتلاكها تسجيلات سمعية وبصرية “تثبت استجواب وتعذيب وقتل” الصحفي السعودي في مقر قنصلية بلاده في إسطنبول.

وقالت الصحيفة، نقلًا عن مسؤولين أميركيين وأتراك، إنّ التسجيلات تظهر أنّ فريقًا أمنيًا سعوديًا احتجز خاشقجي في القنصلية، بعد أن دخلها للحصول على وثيقة رسمية.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال، الخميس، إنّ محققين أميركيين يساعدون تركيا في تحقيقها بشأن خاشقجي، وأضاف أنّ المحققين يعملون أيضًا مع السعودية.

وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة (فوكس نيوز) التلفزيونية: “إننا حازمون جدًا. ولدينا محققون هناك ونعمل مع تركيا، وبصراحة نعمل مع السعودية. نريد أن نعرف حقيقة ما حدث”. كما شدد ترامب على ضرورة معرفة ما حدث في قضية اختفاء الصحفي السعودي المعارض.  وأضاف: “أتابع قضية اختفاء خاشقجي عن كثب، وينبغي أن نعرف ما الذي حدث في القضية”.

وفي تصريحات للصحافيين في البيت الأبيض، قال ترامب إنّه لا يرى داعيًا لوقف الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة، بالرغم من المخاوف بشأن جمال خاشقجي، مشيرًا إلى أن المملكة ستنقل عندئذ أموالها إلى روسيا والصين. وأضاف أنّ الولايات المتحدة تتوقع أن تتلقى قريبًا تقريرًا بخصوص خاشقجي، دون أن يذكر تفاصيل.

رسميًا، قررت كل من أنقرة والرياض تشكيل مجموعة عمل مشتركة، تعمل على الكشف عن مصير خاشقجي.

وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن، الخميس، إنّه تم إقرار تشكيل مجموعة عمل مشتركة للكشف عن جميع جوانب حادثة خاشقجي، بناءً على مقترح من الجانب السعودي”. وذكرت مصادر إعلامية تركية أن مدعي عام إسطنبول سيواصل تحقيقاته حول القضية ذاتها.

ونشرت صحيفة (صباح) التركية المؤيدة للحكومة، الأربعاء، أسماء 15 سعوديًا، قالت إنهم ينتمون إلى جهاز الاستخبارات في بلدهم، وإنهم ضالعون في اختفاء خاشقجي.

ويرجح أن الرجل قُتل بأمر من الديوان الملك السعودي، بعد أن قام فريق كامل يتقطيع جسده بمنشار عظام أتوا به خصيصًا من السعودية.

ونشرت الصحيفة أسماء السعوديين وتواريخ ميلادهم، وقالت إنّهم وصلوا إلى مطار أتاتورك في 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري. واستنادًا إلى صور نشرتها وتم التقاطها في الجوازات، وصل 12 منهم في وقت مبكر من صباح اليوم الذي اختفى فيه خاشقجي بعد دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول. وتابعت الصحيفة أنّ “المشتبه بهم، وعددهم 15 شخصًا، غادروا البلاد في أربعة مواعيد مختلفة”.

ردات فعل غاضبة

قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي بوب كوركر، الخميس، إنّه يجب فرض عقوبات على أعلى المستويات؛ إذا ثبت تورط السعودية في اختفاء خاشقجي ومقتله المحتمل.

ونقلت وكالة (رويترز) عن السناتور الجمهوري، بوب كوركر، قوله للصحفيين في الكونغرس: “إذا اتضح أن ما نعتقده كلنا اليوم… فينبغي فرض عقوبات كبيرة على أعلى المستويات”.

وقد وجه أعضاء في مجلس الشيوخ رسالة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت سابق من الخميس، قالوا فيها إن قضية اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي تتطلب فرض عقوبات على المسؤولين عنها، وفق القانون الأميركي.

إلى ذلك، قررت شركات إعلامية أميركية مقاطعة مؤتمر استثماري في السعودية، وذلك مع تزايد الغضب بشأن اختفاء خاشقجي. وقالت المتحدثة باسم صحيفة (ذي إيكونومست) لورين هاكيت، في رسالة بالبريد الإلكتروني: إنّ “رئيسة التحرير زاني مينتون بيدوس لن تشارك في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض”، وفق ما نقلته صحيفة (ذي غارديان).

وذكر المذيع الأميركي أندرو روس سوركين، عبر شبكة (سي إن بي سي)، وهو يعمل أيضًا صحافيًا اقتصاديًا في صحيفة (نيويورك تايمز)، على حسابه في (تويتر)، أنّه لن يحضر المؤتمر، قائلًا إنّه “يشعر باستياء شديد من اختفاء الصحفي جمال خاشقجي والتقارير الواردة عن مقتله”.

من جهة ثانية، قرر رئيس مجموعة (فيرجن) البريطانية ريتشارد برانسون، وقف مفاوضاته مع المسؤولين السعوديين لاستثمار مليار دولار، في إحدى شركاته المتخصصة في برامج استكشاف الفضاء، على خلفية قضية اختفاء خاشقجي.

وقال برانسون في بيان: إذا ثبتت صحة التقارير حول اختفاء خاشقجي؛ فإن ذلك سيؤثر على مقدرة أي مستثمر في الغرب لمواصلة التعاون مع الحكومة السعودية.

أمّا كندا التي تمر علاقاتها الدبلوماسية مع السعودية بأزمة وتوتر شديد في الأشهر الأخيرة، فكانت أول المنتقدين لنظام آل سعود، معتبرةً أن المزاعم حول مقتل خاشقجي، أحد منتقدي نظام الرياض، “مقلقة”. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية آدم أوستن، الأحد، في رسالة بالبريد الالكتروني: “نحن على علم بهذه المزاعم المثيرة للقلق”. وأضاف أن “المسؤولين الكنديين يعملون بنشاط للحصول على مزيد من المعلومات”.

في السياق ذاته، دعت جماعات حقوق الإنسان ومنظمات صحفية، النظامَ السعودي إلى تحديد مكان تواجد خاشقجي على الفور. وقالت “لجنة حماية الصحفيين” التي تتخذ من نيويورك مقرًا لها: إن السلطات السعودية “يجب أن تقدم على الفور معلومات كاملة وموثوقة عما حدث لخاشقجي”.

بينما أعلنت منظمة (مراسلون بلا حدود)، على موقع (تويتر)، أن تأكيد مقتل خاشقجي “سيشكل هجومًا مخيفًا ومحزنًا وغير مقبول نهائيًا على حرية الصحافة”.

عربيًا، ندد مثقفون وكتّاب عرب في ما لحق بزميلهم جمال خاشقجي من أذى، لم يعرف حتى اللحظة مداه، وقال المفكر اللبناني فواز الطرابلسي على موقع (فيسبوك): “بغض النظر عن الرجل ومواقفه، هذه كلمة للاحتجاج بعالي الصوت على اختفاء الصحافي جمال خاشقجي، والمطالبة بجلاء الحقيقة كاملة حول مصيره. وإني أترقّب ما سوف يصدر من مواقف عن هذه الحادثة -التي يرجّح أنها باتت جريمة بشعة- من كتّاب الرأي في الصحافة السعودية من لبنانيين وسوريين وسواهم، وخصوصًا الجناح الليبرالي منهم”.

بدوره قال الكاتب المغربي شرف الدين مجدولين: “ما وقع لجمال خاشقجي من تصفية باردة، بعد دخوله قنصلية السعودية بتركيا، مريع ومرعب ويفتح الأفق على انهيارات غير مسبوقة، ويجعل كل كاتب رأي يتردد عشرات المرات قبل ولوج عتبات الدولة إياها.. جريمة ستكون لها ذاكرة..”.

فيما قال الكاتب السوري خلدون النبواني: “مهما اغتالوا الأزهار، فإنهم لن يمنعوا الربيع من القدوم. لا للقتل، لا للصمت عن القتل، لا لاغتيال الأقلام و تكميم الأفواه.
جمال الخاشقجي، في انتظار تكشف الحقائق، لروحك السلام..”.

وشدد المفكر الفلسطيني أحمد برقاوي على أنّ “الموقف الحقيقي والأخلاقي من اختفاء أو قتل أو اغتيال جمال خاشقجي لا ينطلق من الانحياز إلى تركيا أو الانحياز إلى السعودية، أو العداء لهذه الدولة أو تلك، فالانحياز والعداء شأن سياسي، كما لا ينطلق من موقف أيديولوجي، فالموقف الأيديولوجي لا يصدر عن الاعتراف بقيمة الإنسان بحدّ ذاته. الموقف يتأسّس على الدفاع عن إنسان لا يملك إلا القلم، وينطلق من الدفاع عن حق إنسان في الحياة والحرية والكرامة. وبالتالي الانطلاق من حق جمال في الحياة والحرية والكرامة بوصفه إنسانًا. والقاتل مجرم ومدان بالضرورة”.

سجل أسود حافل بالقتل وجرائم الاختفاء القسري

صحيفة (واشنطن بوست) الأميركية، طالبت في افتتاحيتها، الاثنين الماضي، كلًا من السعودية وتركيا والولايات المتحدة، بتقديم إجابات حول اختفاء خاشقجي، واصفة خبر مقتله، في حال تأكد، بأنّه “جريمة مروعة” لا بد من محاسبة مرتكبيها ومن وراءهم.

وقالت افتتاحية هيئة التحرير بالصحيفة الأميركية: إن ثلاث حكومات تتحمل الآن مسؤولية لا مفر منها عن التحرّك بشأن خاشقجي، الذي اختفى بعد دخوله القنصلية السعودية في إسطنبول، يوم الثلاثاء 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018.

وذكّرت (واشنطن بوست) أن خاشقجي، على مدى أكثر من عام، لفت الانتباه في مقالاته إلى السلوك “المتسلّط” لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، معلّقة على ما ذكرته مصادر في تركيا، السبت الماضي، بأن المحققين الأتراك يعتقدون أنّ خاشقجي قُتل داخل القنصلية، بالقول إنّه في حال تأكد سيمثّل “جريمة مروعة”.

وإذ أشارت إلى أنها لم تتلقّ أي دليل على ذلك، لفتت (واشنطن بوست)، إلى أن اغتيال صحافي في قنصلية بلده على أرض أجنبية، أمرٌ “لم يسبق له مثيل في العصر الحديث”.

وتوقّفت الصحيفة عند ما ذُكر بأن خاشقجي دخل إلى القنصلية السعودية في 28 سبتمبر/ أيلول الماضي، في أول محاولة لتخليص بعض الأوراق الروتينية، وطلب منه العودة في الأسبوع التالي، ناقلة عن مصادرها أن 15 مسؤولًا سعوديًا دخلوا إلى إسطنبول “على وجه الخصوص من أجل الجريمة”، بينما دخل خاشقجي القنصلية مرة أخرى، يوم الثلاثاء 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، ولم يخرج.

وشدّدت في هذا الإطار على أنّه “يجب على السعودية أن تجيب على الفور عن هذه الأسئلة: من هم هؤلاء الـ 15 مسؤولًا؟ ماذا حدث، على وجه التحديد، داخل القنصلية؟ مشيرةً إلى أنّ “الزيارة” المتفق عليها داخل القنصلية، والتي رتبت لصحافيي (رويترز)، يوم السبت، “لا تبدد القلق” بشأن مصير خاشقجي.

وأكدت الصحيفة الأميركية أن على إسطنبول أن تعلن على الفور أيَّ دليل لديها بشأن الادّعاء “المرعب” بأنّ خاشقجي قُتل، وألا تدخر أي سبيل ممكن للتحقيق في ذلك.

القلق لا يبدده، وفق (واشنطن بوست)، سجل تهور نظام آل سعود في عهد ولي العهد، بما في ذلك موجات الاعتقالات للأمراء والمعارضين ونقاد “العهد الجدديد”، من بينهم الناشطات النسويات اللواتي دافعن عن الحق في قيادة المرأة، والاختطاف غير العادي لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري.

ونبهت تقارير إعلامية عربية ودولية، إلى أن تاريخ الاستخبارات السعودية، أضحى حافلًا بالقتل وجرائم الاختفاء القسري، مرورًا بعمليات اختطاف المعارضين المقيمين في الخارج، من مواطنين وأمراء وغيرهم، ناهيك بحملة لا تبقي ولا تذر، بدأها ولي العهد محمد بن سلمان، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، طالت عددًا من أعضاء الأسرة الحاكمة من ذوي النفوذ السياسي والمالي، بغية تعزيز القبضة على مقاليد الحكم كافة، وجميع المؤسسات الأمنية والاقتصادية والإعلامية، تمهيدًا لتسلّمه العرش.

كما لا يزال مصير المئات ممن اعتقلتهم السلطات في حملتها الأخيرة في سبتمبر/ أيلول 2017، ضد تيار “الصحوة” مجهولًا بالنسبة إلى أهاليهم، إذ لا يُعرف مصير الشيخ عبد العزيز الطريفي، وتحاول عائلته باستمرار التواصل معه، كما أن الشيخ سليمان الدويش، وهو يعد أحد رجال الدين المؤيدين لولي العهد السابق محمد بن نايف، لا يزال مختفيًا وسط تقارير غير مؤكدة تفيد بوفاته تحت التعذيب.

وفي الخامس عشر من آب/ أغسطس الماضي، كشفت صحيفة (ذا غارديان) البريطانية، عن تفاصيل بشأن اختطاف السلطات السعودية ثلاثة أمراء معارضين من الأسرة الحاكمة، في إطار برنامج تديره الرياض لاختطاف معارضي سياساتها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق