تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

كذبة كبرى لبوتين في سورية

كثير من التضليل، لكن المكشوف هو ما قدمته الدعاية السياسية والإعلامية الروسية، لتجعل تدخلها في سورية مبررًا ومسوغًا ومقبولًا، أو لتخفف من وطأة أعمالها العسكرية المتوحشة، عندما تكشف الصور وشهود العيان المجازرَ التي ارتكبتها الطائرات الروسية، ولكي تتهرب من ثقل الضغوط التي تواجهها بها المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية.

وعلى ما يبدو، فإن دبلوماسيي الدول الكبرى ملُّوا السجالَ الطويل، في الرد على أكاذيب وافتراءات موسكو، إزاء الشعب السوري وناشطيه ومنظماته الإنسانية؛ حيث اكتفى كلٌّ منهم بكلمة واحدة في ردهم على الدعوة الروسية لمجلس الأمن الدولي، وفي مناقشتهم الاتهام الذي قدّمه مندوب روسيا حول (الخوذ البيضاء)، بأنها تعمل في خدمة الإرهاب، أو أنها مدعومة من دولة كبرى هي بريطانيا، فاختصروا الكلام بمفردات ثلاث: “سخيفة، مضلِلة، فاضحة”.

بهذه الكلمات الثلاث، اكتفى مندوبو أميركا وبريطانيا وفرنسا، وهم يطرحون ردهم، على وصف مندوب موسكو في مجلس الأمن لتلك المنظمة (الخوذ البيضاء) بأنها إرهابية. وتابع الإعلام الروسي، من دون ذرة من الحياء، ترداد فريته هذه، تمامًا كما في أكاذيب روسيا كافة، على امتداد سنوات الصراع في سورية. ذلك أن قادة موسكو وضعوا نصب أعينهم هدفًا وحيدا وواحدًا لتدخلهم في “الأزمة” السورية، هو إنقاذ دميتهم “بشار الأسد” من السقوط، وبمواظبة لا تعبأ بالحقائق الميدانية ولا بالإرادة الدولية، ناهيك عن تجاهلهم واستخفافهم بمصالح الملايين من أبناء سورية الذين أرادوا التخلص من سلطة الطغيان الهمجية ممثلة برمزها الأول؛ شرعوا بإعادة تأهيله وتوضيبه ليبقى على سدة الرئاسة، بالرغم من كل ما حصل من ارتكابات لم يشهدها التاريخ الحديث، في مطلق بلدان العالم.

وعلى خطورة الأكاذيب التي تميّزت بها سياسة موسكو، إزاء تداعيات الصراع والمواجهة بين السوريين وسلطة الطاغية، فإن الكذبة الكبرى والأساسية التي حاولت موسكو تمريرها، في لحظات ضعف قوى سلطة بشار وحلفائها، تجسّدت بذلك التصريح المخادع، بادعاء أن روسيا ليست متمسكة “ببقاء بشار الأسد” رئيسًا للبلاد، وأنها تهتم بالحفاظ على مؤسسات “الدولة” من الانهيار، أي “النظام”، خوفًا من انهيار سورية!

في العودة قليلًا إلى السجالات بين الأطراف ذات الصلة بالصراع في سورية، وإلى المحطات السياسية التي تداعت إليها التناقضات وموازين القوى المتحركة والمتغيرة، عندما صدرت مقررات مؤتمر جنيف الأول التي تنص على “مرحلة انتقالية” في الحكم بسورية لا مكان فيها لبشار الأسد؛ نرى أن الروس لم يتجرؤوا -حينذاك- على رفض كامل لجنيف ومشروع الحكم الانتقالي، وراحوا يناورون على فكرة: نهاية المرحلة الانتقالية، وليس بدايتها. وأغرقوا مشروع جنيف بسلسلة من التفاصيل والجزئيات، تبيّن لاحقًا أن هدفها هو تقويض قرارات جنيف، ونقل “ملف الأزمة” ليكون بيد روسيا، وليس في إطار الأمم المتحدة. وأخرجوا من دهاليزهم الاستخباراتية منصّات تدعي أنها معارضة للاستبداد، وتسعى للإصلاح! ثم انتقلوا لجعل آستانا وسوتشي بديلًا لجنيف وبنوده الواضحة. في غضون ذلك، كانوا يوضبون الأوضاع الميدانية في سورية، عسكريًا واستخباراتيًا، لتتناسب مع توجهاتهم في القفز عن قرارات جنيف، وتمهيد الطريق للحل الذي يناسبهم، وذلك يقتضي الإجهاز الكامل على الثورة والمعارضة. فمن خلال ما يدعى “خفض التصعيد”، و “عقد المصالحات”، و “تقديم الضمانات المزعومة”، إلى جانب رفع وتيرة العمليات العسكرية، كمًا ونوعًا واتساعًا، نجح الروس في تثبيت سلطة الأسد، ولو فوق ركام المدن والبلدات، وفي إبعاد احتمالات الخطر القريب على وجودها وبقائها.

إن تشبث بوتين ببقاء الأسد على رأس السلطة في سورية، وممارسة كل السبل التي تفضي، باعتقاده، إلى بقائه “رئيسًا للنظام”، ليس وفاءً له على خدماته الكبرى لهم، ولا هو ناتج عن خطأ في التقديرات أو الحسابات، إنما هو تشبّث تفرضه معرفة الأجهزة السياسية والاستخبارية الروسية بسلطات كهذه، بنية وإدارة وأسرارًا، داخل قمة العصابة الحاكمة. ومختصر الفهم الروسي لحالة السلطة في ظل سيطرة الأسد الأب، ووريثه من بعده، يقوم -كما أظن- على مماهاة الرئيس بالسلطة والأخيرة بالرئيس. أي أن تفكيك البناء المافيوي بأمان وسلاسة، وإبعاد “الرئيس”، من دون خوف على سيطرة السلطة التي يقودها، هو أمر غير ممكن على الإطلاق. ومن دون هذا التقدير، كان بمقدور موسكو ترتيب هذه العملية، خاصة أنها تلاقي قبولَ جزء واسع من “المعارضة” كما أنها تُقنع، ولو مؤقتًا، القطاعات الأوسع من السوريين الذين انتفضوا من أجل الحرية، فإبعاد رأس هرم السلطة المافيوية يضعهم أمام معطيات جديدة، تجعلهم يركنون إلى الرهان على السلطة من جديد. فضلًا عن تمكُن موسكو من تحييد الضغوط الدولية، في حال كان الطريق ممكنًا لإبعاد بشار وإلإبقاء على “النظام”.

اللافت أن الدعاية الروسية المتعلقة بسورية، طوت منذ فترة تداول موضوع مصير بشار، وكأن القادة في موسكو وفي حميميم، توصلوا إلى استنتاج أنهم نجحوا في تسويق بقائه دوليًا وإقليميًا. ووضع المعارضة، وموازين القوى على الأرض، ما عاد لهما تأثير يتطلب تكرار “الأكذوبة” حول عدم إصرارهم على بقاء الدكتاتور الأرعن رئيسًا للبلد.

أما وأنني وصفتُ تلك الخديعة بالكذبة الكبرى، فذلك أن الأكاذيب الأخرى، القريبة والبعيدة والمتواصلة، جاءت كضرورة لتمرير تلك الكذبة وتثبيت سلطة الدمية على المدى القادم. فالدستور الذي يقترحه لافروف، بدءًا من تشكيل “اللجنة الدستورية” إلى بقية البنود، يأتي في إطار العمل لتمرير بقاء بشار. أما الأكاذيب المتعلقة بالسلاح الكيمياوي، واتهام القوى “الإرهابية” باستخدامه، والتنصل من المسؤولية عن المجازر، والادعاء بالعمل على إعادة الإعمار وعودة اللاجئين… إلى آخر ما هنالك من تمارين جديدة لكسب الوقت واستدرار التأييد والمليارات، فهي أكاذيب موظفة لخدمة الكذبة الكبرى، لإبقاء الطاغية على سدة السلطة، فهو الضمانة التي لا بديل عنها، لمنع انهيار السلطة المافيوية. وستواصل موسكو صناعة الأكاذيب من دون توقف.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق