سلايدرقضايا المجتمع

مخيم اليرموك.. أوهام إعادة الإعمار

تناقضات كبيرة في التصريحات الرسمية من قبل ممثلي منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية، حول إعادة إعمار مخيم اليرموك جنوبي دمشق، وعودة سكانه إليه، فبعد أن أصيب أهالي المخيم بإحباط غير موصوف، إثر مشاهدتهم الدمار والخراب الذي آل إليه المخيم، بعد حملة عسكرية عنيفة شنّها نظام الأسد وميليشيات فلسطينية موالية له، وبعد الآمال التي علقوها بالعودة لمخيمهم جراء تصريحات عدد من قيادات العمل الوطني الفلسطيني في سورية، تأتي تصريحات السفير الفلسطيني أنور عبد الهادي، مدير الدائرة السياسية لمنظمة التحرير في سورية، كصفعة قوية على وجوههم، ولتثير مخاوفهم من أن تكون تمهيدًا لإلحاق المخيم، بما أطلق عليه النظام “مخططات تنظيمية جديدة”، وشمل اليرموك بالقانون رقم 10 المثير للجدل، الذي أصدره الأسد في نيسان/ أبريل 2018، ويقضي بمصادرة حقوق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين والسوريين، في المناطق الخاضعة لقوات النظام.

السفير الفلسطيني أنور عبد الهادي، أكد أنّ ما يجري اليوم في مخيم اليرموك، من عمليات لإزالة ورفع الركام والأنقاض، هو لفتح الطرقات الرئيسية داخل المخيم باتجاه مقبرة الشهداء.

قال عبد الهادي، في تصريح لجريدة (الوطن) التابعة للنظام الأسدي، الأربعاء الفائت، إنّه “جرى الطلب من الحكومة السورية بالموافقة على ترميم مقبرة الشهداء، من قبل السلطة الفلسطينية وبإشراف منظمة التحرير، فوافقت الحكومة السورية مشكورة”، مشيرًا إلى أنّ ما يجري اليوم هو فتح الطرق والشوارع الرئيسية وإزالة الأنقاض من الشوارع الرئيسية، لتمهيد طريق الوصول إلى المقبرة”، مضيفًا: “نحن فقط حاولنا، من خلال التواصل مع الدولة السورية، الحفاظ على مقبرة الشهداء التي تضم رفات شهداء الثورة الفلسطينية منذ عام 1965”.

وعن عمليات الترميم الجارية في مقبرة الشهداء القديمة بيّن عبد الهادي أن هذه العمليات تتم بإشراف وتمويل المنظمة، معتبرًا أن إعادة ترميم المقبرة هو “أوّل خطوة على طريق مشروع إعادة إعمار المخيم”.

وكانت مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك قد تعرضت لدمار كبير، بسبب القصف الجوي والمدفعي لقوات الأسد، إضافة إلى قيام عناصر من تنظيم (داعش) الإرهابي بتدمير شواهد القبور.

مدير الدائرة السياسية لمنظمة التحرير في سورية نبّه، في حديثه إلى الصحيفة السورية الموالية، إلى أنّ “قرار إعادة إعمار مخيم اليرموك ما زال بانتظار قرار الحكومة السورية، التي تدرس المخططات لإعادة إعمار كافة المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق”، لافتًا النظر إلى أن “اليرموك هو جزء من مدينة دمشق والقرارات المرتبطة به تخص الحكومة السورية، وأن أي قرار ستتخذه بشأن المخيم سنكون إلى جانب الحكومة السورية وموافقين عليه”.

بالنسبة إلى موعد عودة سكان اليرموك إلى منازلهم، طلب عبد الهادي من الأهالي “التحلي بالصبر، ريثما يتمكن النظام السوري من اتخاذ القرار المناسب لذلك”.

تصريحات أنور عبد الهادي الأخيرة تُعدّ تراجعًا عن تصريحات سابقة له، ذكر فيها أنّ العمل جار بالتنسيق مع السلطات المختصة التابعة للنظام السوري لإعادة إعمار مخيم اليرموك وعودة الأهالي قريبًا، من ذلك تصريحه الشهر الماضي، وتحديدًا يوم 11/ 9/ 2018، حيث قال للصحيفة ذاتها: “نحن الآن ننسق ونتعاون مع الدولة السورية، من أجل إعادة بناء مخيم اليرموك، وصيانة مخيمات أخرى، وهنالك تعاون وتنسيق جيد وعلاقات ممتازة بين دولة فلسطين والدولة السورية، وإن شاء الله قريبًا ستوضع المخصصات اللازمة لإعادة بناء البيوت التي دمّرت ودعوة كل أهلنا، الذين خرجوا للعودة إلى المخيمات في سورية، لأن المخيم هو شاهد على النكبة”.

كما نقلت (مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية) في 25 أيار/ مايو 2018 عن عبد الهادي، تصريحًا صحفيًا أكد فيه أنّ “العمل جارٍ على تنسيق هذه الأفكار حول إعادة إعمار اليرموك مع الحكومة السورية”، مشيرًا إلى أنّه “في حال استمزاج التعاون مع وكالة (أونروا)، باعتبارها جهة مسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين إلى جانب الدولة السورية ومنظمة التحرير؛ فسيتم اعتماد هذه الأفكار والعمل على الدعوة إلى مؤتمر دول مانحة لتقديم تبرعات من أجل إعادة بناء المخيمات الفلسطينية والمناطق المجاورة لها في سورية”.

وأوضح عبد الهادي، وقتذاك، أنّ فكرة “مؤتمر المانحين” تتم مناقشتها حاليًا مع “جميع الأطراف المعنية”، متوقعًا التوصل إلى “تصورات مناسبة”، مؤكدًا أن “التكاليف المتوقعة لإعادة إعمار المخيمات تحتاج إلى لجان فنية مختصة، ليصار بعدها إلى إعلان أرقام واقعية”.

وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد أعلنت في وقت سابق، على لسان أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، أنّ “القيادة الفلسطينية تولي أهمية خاصّة نحو البحث في عقد مؤتمر دولي، لتمويل إعادة الإعمار بالشراكة مع الأطراف ذات العلاقة وتحديدًا الحكومة السورية، كونها البلد المضيف”.

تناقضات وتخبط في أوساط القيادات الفلسطينية

في السياق، زار وفد رسمي ضم ممثلي الفصائل الفلسطينية، الأربعاء الماضي، المخيم لتفقد سير عمليات إزالة الأنقاض والركام من حارات وأزقة المخيم، وللاطلاع على ما تم التوصل إليه من إنجازات في هذا المجال.

وقد أشاد الوفد بالجهود المبذولة وما شهدته عمليات الإزالة من حالات تطوع كبيرة، من قبل العديد من المهندسين وأبناء المخيم للمساهمة بإعادة إعمار مخيمهم دون أي مقابل.

عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح) سمير الرفاعي، أكد في الاجتماع الذي عقد بين قادة الفصائل الفلسطينية وممثليها في سورية مع اللجنة المشرفة على “مشروع إزالة الأنقاض في مخيم اليرموك”، يوم 3 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، في مقر المجلس الوطني بدمشق، لمناقشة آخر التطورات والمستجدات بشأن إزالة الركام والأنقاض من حارات وأزقة مخيم اليرموك، أنّ “الاجتماع ناقش جميع النقاط المتعلقة بالمضي قدمًا من أجل إزالة الركام والأنقاض، من جميع شوارع وحارات مخيم اليرموك بالسرعة القسوة تمهيدًا لعودة سكانه إليه”، منبهًا إلى أنّ “هذه العودة ينتظرها أبناء اليرموك بفارغ الصبر”.

وكان نحو 80 بالمئة من سكان مخيم اليرموك قد اضطروا إلى مغادرته، بعد قصف طيران النظام السوري، يوم 16/ 12/ 2012 لمسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة، وسيطرة مجموعات مسلحة تابعة للمعارضة السورية على المخيم.

من جهة ثانية، قال طلال ناجي، الأمين المساعد في الجبهة الشعبية/ القيادة العامة (أمينها العام أحمد جبريل)، وهي تُعد الفصيل الفلسطيني الرئيس الذي يقاتل إلى جانب قوات الأسد في حربه المعلنة ضد الشعب السوري، والشريك في حصار مخيم اليرموك لأكثر من 1560 يومًا، قال إنّ “اللجنة أكدت للفصائل الفلسطينية المجتمعة أن هناك حوالي 50 إلى 60 بالمئة من بيوت ومنازل مخيم اليرموك صالحة للسكن، وأن بإمكان سكانها العودة إليها والبدء بترميمها وإصلاحها”.

القانون رقم 10 في مواجهة الشاهد على النكبة

في الموضوع ذاته، كان خالد عبد المجيد، أمين سر تحالف الفصائل الفلسطينية المقاومة في سورية، قد صرح في 10 تموز/ يوليو الماضي، بأنّ مسؤولين سوريين أكدوا للقيادات الفلسطينية بدمشق أنّ مخيم اليرموك “لن يخضع لإعادة تنظيم”، وأنّ “الجهات المختصة السورية طلبت مهلة ثلاثة أشهر لفتح الشوارع والبدء بإزالة الأنقاض”.

وقال: “بالرغم مما نشر حول موضوع دخول مخيم اليرموك في جنوب العاصمة دمشق في إطار إعادة التنظيم، فإننا استمعنا، من خلال لقائنا مع رئيس الحكومة عماد خميس مع عدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين، أن مخيم اليرموك يدخل في إطار محافظة دمشق، وهو داخل في ترتيبات سابقة، ولن يخضع لإعادة تنظيم، كما هي العشوائيات في المناطق المجاورة في ريف دمشق”.

وأشار عبد المجيد إلى أنّ “رئاسة مجلس الوزراء عدلت عن قرارها السابق بوضع مخطط تنظيمي لليرموك، لأن له خصوصية تتعلق برمزيته كشاهد على النكبة الفلسطينية عام 1948، وكرمز لحق العودة وكمقر للمقاومة والثورة الفلسطينية المعاصرة التي انطلقت من هذا المخيم ومن هذا البلد”.

ينصّ القانون رقم 10 الذي أصدره الأسد، في المادتين الخامسة والسادسة، على إجراء حصر للعقارات خلال مدة شهر فقط، وقيام أصحابها بالتصريح لأجهزة النظام عن حقوقهم وتقديم الوثائق والمستندات التي تُثبت أحقيتهم في العقارات.

وخلال السنوات السبع الماضية، دمّر نظام الأسد وحلفائه أجزاءً كبيرة من البنية التحتية للمناطق والمدن التي خرجت عن سيطرتهم، وحاليًا أصبح جزء من سكان هذه المناطق لاجئين ونازحين، بينهم عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

وتعاظمت مخاوف ناشطين وهيئات حقوقية فلسطينية وقوى المعارضة السورية من هذا القانون، لكونه سيشمل مناطق سيطر عليها النظام وحلفاؤه مؤخرًا، وتخشى المعارضة من أن يكون المرسوم وسيلة أخرى لإحداث تغيير ديموغرافي، يبدأ بضياع الحقوق أولًا، ثم منحها إلى آخرين كـ مقاتلي الميليشيات التي تُقاتل في سورية، وبشكل خاص ميليشيا “حزب الله” الإرهابية.

وكان نظام الأسد قد أعاد السيطرة على مخيم اليرموك، يوم 21 أيار/ مايو الماضي، بعد عملية عسكرية استمرت 33 يومًا، زعم أنّه يشنّها ضد تنظيم (داعش)، الذي اجتاح المخيم في نيسان/ أبريل 2015، استخدم فيها كافة صنوف الأسلحة الثقيلة وعمليات قصف همجي بالطيران الحربي، ما أدى إلى دمار نحو 80 بالمئة من منازل وممتلكات المدنيين في مخيم اليرموك، وقضاء 31 مدنيًا من أبنائه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق