مقالات الرأي

المعارضة السورية بين تآكل الفاعلية الذاتية وحسابات الدول

المشكلة المحورية البنيوية، إن لم نقل الوجودية، التي عانت منها الهيئات التي ظهرت لتمثل الثورة السورية، وتجسّد مطالبها، وتعمل على تحقيقها، أنها افتقرت إلى عاملين أساسيين، لا يمكن في حال غيابهما معًا أن يكون أي انجاز، أو اتخاذ أي قرار مصيري مع تحمّل المسؤولية. والعاملان المعنيان هما المؤسساتية والكاريزما القيادية.

فمنذ اليوم الأول للثورة السورية، كان الهاجس الكبير الذي يؤرّق المعنيين من المطالبين بضرورة التغيير في سورية، هو غياب الأحزاب القوية المتماسكة التي تمتلك برامج واضحة، وقاعدة شعبية مؤثرة، وقيادات ناضجة، تحظى بالمصداقية والاحترام. هذا إلى جانب عدم وجود، أو بكلام أدق، عدم الاتفاق على شخصية قيادية محورية، تمتلك كاريزما تؤهلها بصورة نسبية لسد فراغ غياب المؤسسة السياسية المتكاملة. ولهذا الأمر بطبيعة الحال تفسيره وأسبابه. فالسياسة الأمنية الشمولية التي مارسها النظام، على نحو أربعة عقود، أدّت إلى جعل الأحزاب الموجودة، بما فيها حزب البعث الحاكم بموجب الدستور المفروض، مجرد هياكل هشة، مخترقة، لا تمتلك اي قاعدة شعبية تؤهلها لممارسة الضغوط، عبر الاعتصامات والتظاهرات والإضرابات المؤثرة. وبات الهامش الأمني الذي أتيح لها لتمارس نشاطها يقع ضمن إطار مسافات أبعادها محددة استنادًا إلى القواعد غير المكتوبة التي وضعتها المنظومة الأمنية، حتى أصبحت الأنا الخاصة بكل هذه الأحزاب الوجه الآخر المتلقي المنقاد للمنظومة المذكورة، وهي التي كانت قد تمكّنت من التغلغل إلى مفاصل الدولة والمجتمع.

ومع انطلاقة الثورة، كان السؤال الأهم، بل المصيري، هو كيف السبيل للوصول إلى تأسيس هيئة سياسية تعبّر عن تطلعات السوريين، وتعمل على حشد التأييد الإقليمي والدولي لها، وتتمكن في الوقت ذاته من إيجاد مناخ التفاهم والتواصل بين مختلف المكوّنات المجتمعية السورية؟

وكانت تجربة المؤتمرات، ومن ثم المجلس الوطني السوري والائتلاف، كما نعلم جميعًا. وباعتبار أن المجال لا يتسع هنا لتناول هذا الموضوع المهم بعمق، نكتفي ببعض الشذرات.

فالمجلس الوطني السوري توفرت له من الظروف ما لم تحظَ به الهيئات اللاحقة. فقد حصل على التأييد الشعبي والاعتراف الدولي، كما أنه تمكّن من ضمّ قوًى سياسية ومجتمعية وشخصيات مستقلة فاعلة، وكان يمكن لكل تلك المكونات أن تشكّل فريقًا متكاملًا، يمكنه العمل بشكل مؤسساتي، يقوم على أساس توزيع المهام والصلاحيات ضمن استراتيجية واقعية متماسكة، تخدم الأهداف السياسية للثورة.

لكن النزعات الفردية من داخل المجلس، والهجمات القوية التي تعرض لها من قبل بعض المعارضين الذين ظلوا لأسباب عدة خارجه، إلى جانب الحساسيات المزمنة بين بعض المعارضين؛ هذا إلى جانب عدم وجود إرادة دولية جادة لدعم السوريين، كل ذلك أدى إلى إلغاء المجلس، وتشكيل الائتلاف بموجب إرادات الدول. ومنذ ذلك الحين، سلّم الفاعلون في المعارضة أمورَهم بعقلية تواكلية اتكالية، إلى الدول الراعية لتلك الهيئات، وبدأ التنافس، ومن ثم الصراع حول من سيحصل على دعم هذه الجهة الدولية أم تلك، ليتمكّن من تسويق نفسه، بوصفه الرجل المناسب في المكان والوقت المناسبين.

وهكذا دخلت المعارضة السورية، بعد انحسار قوى الثورة، أو تغييبها، لا سيما بعد هيمنة الفصائل العسكرية التي كانت تتكاثر بأسمائها وأدوارها وألوانها المختلفة، في نفق مظلم. إذ لم تتمكن من تشكيل المؤسسة السياسية المطلوبة، كما أنها عجزت عن تقديم شخصية قيادية تمتلك كاريزما، يمكن أن تكون موضع توافق قطاعات واسعة من السوريين، الأمر الذي كان سيمكّنها من اتخاذ القرارات الصعبة وتحمّل المسؤولية.

وهكذا، دخلنا في لعبة الشعارات الشعبوية، والبازارات مع الأجهزة المتعددة الجنسيات، ولم يعد في المستطاع اتخاذ أي قرار صعب مصيري بصورة علنية، وذلك بفعل غياب القدرة على تحمّل النتائج.

يمكننا في هذه الحالة المقارنة بين الوضعيتين السورية الراهنة، والفلسطينية في عهد قيادة ياسر عرفات. فالأخير استطاع الدخول مع الإسرائيليين في مباحثات واتفاقات سرية وعلنية، بفعل الشعبية الكبيرة، والحصانة التي كان يتمتع بها فلسطينيًا، لدرجة أنه لم يكن يخشى من العواقب، رغم وجود اصوات قوية معارضة لها مثل: جورج حبش ونايف حواتمة، و(حماس) لاحقًا.

أما سوريًا، فقد عانينا باستمرار من عدم وجود مثل هذا الشخص، ولم نتمكن في الوقت ذاته من تشكيل المؤسسة القادرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. ومن دون الحاجة إلى مغازلة التوجهات الشعبوية.

وفي أكثر من مناسبة، بخاصة في المراحل الأولى من تشكيل الائتلاف، جرت محاولات لتكوين هيئة استشارية تضم اشخاصًا لهم خبرة وتجربة وصدقية، وليست لديهم نزعات اللهاث خلف المواقع السياسية أو المصالح الشخصية، هيئة كان في مقدورها أن تصبح مرجعية وطنية. ولكن بكل أسف، لم تفلح تلك المحاولات هي الأخرى، لأسباب عدة منها عدم رغبة المهيمنين على الائتلاف في إلزام أنفسهم بمرجعية لن تعمل بالتأكيد على معالجة عقدهم غير المشبعة، أو تجاوز خططهم.

وفي غياب المؤسسة، وفقدان الكاريزما القيادية، كما أسلفنا، أصبح المجال مفتوحًا أمام نزعات التفرّد والاستئثار بالقرارات غير الناضجة، التي غالبًا ما كانت تؤخذ بعيدًا من إرادة أعضاء الهيئات المعنية، وإنما كانت تراعي إرادات الدول، وأمزجة السفراء.

وقد أسفرت الضغوط الدولية، ومن جانب الروس تحديدًا، كما نعلم جميعًا، عن تشكيل هيئة التفاوض الأولى التي انبتثقت عن المؤتمر الأول للمعارضة السورية الذي انعقد في الرياض أواخر 2015. ورغم ما رافق تشكيل الهيئة المعنية من تدخلات دولية سافرة، كان التعويل على نوعية العديد من الأشخاص ضمن الهيئة وتاريخهم، وطبيعة تفكيرهم. ولكن في نهاية المطاف تبيّن أن النزعة الفردية ظلت هي السائدة، ولم تتشكّل مؤسسة يمكنها التواصل الدوري مع أصحاب الخبرات والمؤهلات، والمفكرين والمثقفين والإعلاميين السوريين، لتبادل الآراء والأفكار والمشورة معهم، وذلك من أجل الوصول إلى قرارات تكون مدروسة بصورة جيدة. وهذا ما دفع بمجموعةٍ، من الذين كانوا يشعرون بأنهم قد همّشوا، إلى تدبير ما يشبه بالمحاولة الانقلابية بمساعدة الدول، فكان مؤتمر الرياض الثاني أواخر 2017، وهيئة التفاوض في صيغتها الثانية. ومرة أخرى نلاحظ أن التفرّد هو سيد الموقف، وأن اللقاءات الجانبية غير المعلنة تحديدًا مع الدول، هي التي تفرض الأولويات والسياسات، وذلك في ظل غياب مؤسسة فاعلة، يمكنها ضبط الأمور، والاستفادة من المؤهلات وتراكم الخبرات.

من الطبيعي جدًا أن تكثر الحملات الإعلامية المتبادلة بين المعارضين في أجواء كهذي. ويُشار في هذا المجال إلى الشعارات التي رُفعت في الشمال السوري مؤخرًا، وهي حملات تثير الاشمئزاز لدى السوريين، وتتسبّب في تكريس عوامل الإحباط واليأس. وكل ذلك يوجب أخذ الأمور على محمل الجد، والبحث عن الحلول. ولن يتم ذلك بتبادل الاتهامات، أو اللجوء إلى الأسلوب الشعبوي الاستعراضي. فالمرحلة خطيرة للغاية، والخسائر كبيرة، والتراجعات على مختلف المستويات لا تبشّر.

هناك جهود تُبذل هنا وهناك، بهدف الوصول إلى مخرج، ولكن حتى الآن لا نتائج واعدة بكل أسف. وهذا مؤداه استمرارية حالة التخبّط، وتعذّر اتخاذ القرارات الصعبة التي قد نصل بعد مناقشات معمقة مسؤولة إلى ضرورة اتخاذها، أو تعديلها، أو الامتناع عنها. أما أن يقوم فرد بعينه، أو أفراد لا يمتلكون من الحصانة والتأييد ما يمكنهم من تحمّل المسؤولية، وعدم الخشية من المساءلة والمحاسبة، على اتخاذ قرارات إشكالية كهذي، فهذا فحواه ديمومة عواصف التشكيك والتخوين المثبطة، وكل ذلك يستفيد منه النظام ورعاته، من دون أدنى ريب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق