تحقيقات وتقارير سياسية

الحاجة لالتئام شمل العمل السياسي

أصبح السوريون قطبًا في صراع حاد، قطبُه الآخر نظام الأسد وعصاباته، ومعظم البيئة الرسمية للنظام العربي، التي ما كان لها أن تكون سوى سند للنظام، ومنذ اللحظة الأولى، كانت في حالة تناقض تام مع تطلعات الشعب السوري، ناهيك عن مسألة انخراط البعض في عملية المواجهة المباشرة للسوريين، على مختلف الأصعدة. ولأن الثورة السورية ذات أهمية دولية وإقليمية عالية؛ فقد أخذت نصيبها الطافح من التآمر والتلاعب والعبث، وسيبقى الالتهاب يُشعل المجتمع السوري بوجه الطاغية، بعد كل هذا الإرهاب والتهجير والدمار، الذي يهدف إلى إرهاب السوريين، ودفعهم إلى مواقع الزحف على بطونهم لتقبيل يد السفاح.

 وكما أسهمت البيئة الوحشية للنظام في الانقضاض مجددًا للسيطرة، وزيادة تغوله على المجتمع، بتجميل إجراءات السيطرة وابتكار مشاريع السطو المستمر على كل شيء، فإنها أيضًا عجّلت بشحذ الوعي و تمتينه من التزييف والتزوير، في مرحلة كتب السوريون فيها كل فاصلة وحرف بدمائهم، وعليه قد بوشر بحملات تزييف ضخمة، منذ بداية الثورة حتى الآن، فمن جهة أولى أثار السوريون حفيظة النظام السوري والعربي، لأنهم غرّدوا خارج سرب الأسد، ومن جهة ثانية مقاومتهم للعام السابع قوى احتلال عاتية على المستوى الدولي، كروسيا وإيران مع النظام السوري و”إسرائيل”، إضافة إلى كل المرتزقة المرتبطين بهذه القوى على المستوى الإقليمي والدولي.

بمجرد التفكير بهذا الحجم الهائل من القوى التي تقف ضد إرادة الشعب السوري، حيث اتخذ الجميع قرارات المواجهة المباشرة لتعزيز الحالة الجرمية للأسد فوق الجغرافيا والديموغرافيا السورية؛ تتضح مجمل الضغوط وأثرها في تمكين الأسد من التمرير “المؤقت” لمعظم الجرائم المختلفة، لمصلحة المهمات “الاستراتيجية” والمؤقتة أيضًا، ضخامة المذابح من الكيمياوي إلى ملفات عشرات آلاف الضحايا تحت التعذيب، إلى السجل غير المنتهي بتعداد الجرائم، الذي يعتبره الأسد نقطة حاسمة غيّرت له مسار الأحداث في المنطقة، بعد أن كاد دوره “المؤثر والفاعل” يقترب من نهايته، وهو كان بالأساس يشكل محورًا أساسًا في صياغة كثير من الأحداث والتغييرات التي شهدتها المنطقة، في العقود الماضية، إلى أن نجح الشعب السوري في حسر مهمته في الإطار الذي ظهر فيه كمجرم حرب متعدد “المواهب” من غاز السارين والأعصاب، إلى الحرق والإفناء حتى الدمار الشامل.

إزاء انتكاس آمال البعض، من رؤية قريبة لنهاية الصراع في سورية متوجًا بنصر سريع وسهل على الأسد، ونتيجة للتخبط الذي وقعت فيه قوى المعارضة السورية، وتبدل الأجندة “المؤيدة والداعمة” لها، ونتيجة للمخاطر الكبيرة المتدحرجة على سطح الثورة؛ يبدو أن عملية المراجعة للشعار والبرنامج ضرورة ملحة، بعيدًا عن التململ من تضحيات الشعب السوري التي هي وحدها تزيد في مراجعتها تصليب الموقف، للتأكيد على حتمية دحر الطاغية وللأبد، وفي هذا المجال يُنشد السوريون في الشمال وفي كل منطقة أهازيج الثورة، هنا يجب أن لا تغيب السياسة المعارضة، لمصلحة الانشغال بما تعمل عليه “فصائل العسكر”.

في ظل التردي الخطير “للقوى العسكرية” التابعة لفصائل المعارضة، هناك حاجة إلى التئام شمل العمل السياسي، والتركيز على مفصل من مفاصله يكفي لتقويض حكم الطاغية، فما بالنا بحجم هائل من القضايا التي هي محل اهتمام السوريين عمومًا، التصرف على أساس أن الطاغية لن يكون له مستقبل ودور في سورية، وتكرار هذا الحديث في معظم اللقاءات والأحاديث، مع التأكيد على حتمية تقديمه للعدالة الدولية، بتهم ارتكاب جرائم وفظاعات، تكرارًا، نتساءل: هل المطلوب من السوريين دلائل أكثر تفيد بأن مستقبل بلدهم عَصبهُ يكون من دون الطاغية؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق