تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“العدالة الانتقالية” كمدخل لوحدة السوريين

عندما تنتهي الحرب في سورية، وتتحرر الطرق والشوارع من الحواجز، وتتحرر النوافذ من القناصين، ويتحرر الهواء من رائحة الموت والبارود؛ عندئذ سيكتشف العالم هول المأساة التي حلّت بالسوريين:  مئات الآلاف من القتلى وملايين اللاجئين، ودمار هائل في الممتلكات والأرواح، ومئات الآلاف من المفقودين والمختفين قسريًا. وسنسمع صرخات المواطنين السوريين الغاضبة ممن فقدوا أقاربهم، تطالب بالكشف عن مصير أبنائهم المفقودين، وسنرى آخرين يطالبون بالتعويض عمّا لحقهم من أضرار  مادية ومعنوية جسيمة، وسنسمع أيضًا صرخات أخرى تطالب بالانتقام والاقتصاص من الذين تسببوا في معاناتهم.

لا يكاد هناك منزل في سورية إلا لحقت بساكنيه أضرار مادية ومعنوية بالغة بهذا الشكل أو ذاك، ولا تكاد توجد عائلة في سورية، سواء أكانت موالية لنظام الأسد أم معارضة له، إلا أصابها مكروه في هذه الحرب الملعونة، منها من فقد ابنًا او ابنة أو أبًا او أمًا، ومنها من أُصيب أحد أفرادها بإعاقة، والكثير الكثير من العائلات من اعتُقل أو اختُطف أحد أبنائها ولا تعرف مصيره، وكم من العائلات أيضًا تبحث عن جثث أبنائها الذين قتلوا في المعارك أو تحت التعذيب في معتقلات الأسد ومعارضيه من الميليشيات المسلحة، وعائلات أُبيدت عن بكرة أبيها في هذه المقتلة السورية. ويضاف إلى ذلك عائلات تهدمت بيوتها وفقدت في لحظات كل ما تملكه من مال منقول وغير منقول، وهُجرت عنوة من بيوتها ومناطقها… الخ.

أي سلام سيحلُّ على سورية بعد انتهاء الحرب؟! وهل إحلال السلام في سورية يتوقف اليوم على ما ستنجزه اللجنة الدستورية في جنيف من دستور جديد، في وسط كل هذا الدمار والخراب في ممتلكات وأرواح السوريين؟ وهل سيعيد الدستور الجديد للسوريين ما فقدوه من أرواحهم وممتلكاتهم خلال سنوات الحرب؟ وهل سيعوّض السوريون الذين قضوا قتلًا تحت التعذيب، وكيف؟ وكيف سيستطيع الدستور العتيد إخماد نار الانتقام والأحقاد والضغائن المشتعلة في قلوب ما لا يعدّ ولا يحصى من الضحايا وذويهم؟ وهل سيُحاكم ويحاسب كلّ من أجرم بحق السوريين؟ وكيف سيكون ذلك؟ وكيف ستعالج ذاكرة السوريين عن الحرب؟

هذه الأسئلة تتردد اليوم على شفاه السوريات والسوريين، وأنا هنا لا أتحدث عن فئة معينة من السوريين، بل أتحدث عن كل السوريين الذين تضرروا من هذه الحرب، بصرف النظر عن مواقفهم وانتماءاتهم، سواء أكانوا مع نظام الأسد أم ضده، فجميع السوريين تضرروا من الحرب بهذا الشكل أو ذاك، وهم يبحثون اليوم عن مقاربات وحلول لمأساتهم تفتح الطريق أمام إمكانية إحلال السلام في مجتمع مزقته سنوات الحرب.

معظم السوريين أصبحوا يرون اليوم أن معالجة كلّ ما حصل في الماضي القريب والبعيد يجب أن يشكل الأساس في أي تسوية محتملة للمأساة السورية، وهم يعتقدون أن لن يتحقق السلام الحقيقي في سورية من دون تحقيق العدالة، وتحقيق العدالة لا يتم بغير معالجة الماضي. ويعتقدون أيضًا أن العدالة هي الطريق الوحيد للانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام.

العدالة المقصود تحقيقها هنا هي “العدالة الانتقالية” التي عرّفها المركز الدولي للعدالة الانتقالية، بأنها “ليست شكلًا خاصًا من أشكال العدالة، بل هي تكييف للعدالة على النحو الذي يلائم مجتمعات تخوض مرحلة من التحولات، في أعقاب حقبة من تفشي انتهاكات حقوق الإنسان، وهي تهدف إلى تحقيق الاعتراف الواجب بما كابده الضحايا من انتهاكات”.

تُشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت بتطبيقها دول مختلفة من أجل معالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وتتضمّن هذه التدابير الملاحقات القضائية لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة بحق السوريين ومحاسبتهم، ولجان الحقيقة، وبرامج جبر الضرر، وتعويض الضحايا وتخليد ذكراهم، والاعتراف بحقوقهم، وتشجّع الثقة بينهم، وتقوّي سيادة القانون والديمقراطية، وتساعد في تحقيق المصالحة الوطنيّة، كما تهدف العدالة الانتقالية إلى إصلاح مؤسسات الدولة، وفي مقدمها مؤسستا الأمن والجيش والقضاء، وكافة المؤسسات المتورطة في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان، أو التي لم تمنع ارتكابها. وبهذا تشكل ضمانًا لعدم تكرار هذه الانتهاكات في المستقبل.

لا يريد أغلبية السوريين تعليق المشانق، ولا يرفضون العفو عن بعض الحالات، إذا كان هذا العفو سيمنع سقوط المجتمع ثانيةً في الهاوية التي ما لبثوا أن خرجوا منها، بعد أن ضحَّوا بدماءٍ ودموعٍ كثيرة.

انطلاقًا من كلّ ما تقدّم، نسأل: ما الذي يمنع السوريين كل السوريين، مولاة ومعارضة وما بينهما من رماديين وحياديين، من التوّحد حول تطبيق العدالة الانتقالية في سورية، كمخرج آمن لخروج كل السوريين من هذه المأساة التي يعيشونها، بدل الاستمرار في الانقسام والتشظي، ما بين مؤيد للنظام وما بين معارض له؟! ولماذا لا نتحد جميعًا حول تطبيق هذا الهدف، ونجعله شعارنا لكل واحد منّا أمام المجتمع المحلي والدولي لحل مأساتنا، ما دمنا جميعنا متضررين من الحرب؟

حان الوقت لكي نكفّ عن تأييد فلان وعلان، وأن نتحرر من تبعيتنا لهذه الجهة أو تلك، ولندع المتفاوضين يتفاوضون، فلن ينجينا دستورهم وإن كان أفضل دستور في العالم، وليس أمامنا إلا أن نتوحد لفرض تطبيق العدالة الانتقالية، باعتبارها طوق النجاة للخروج من هذه المأساة الرهيبة.

هي دعوة لكل السوريات والسوريين، بصرف النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم واصطفافهم، إلى التوحّد حول تطبيق العدالة الانتقالية، وفرض تطبيقها كطريق لحل مأساة الشعب السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق