سلايدرقضايا المجتمع

الوباء “العلماني” و”الغباء الأقلوي”!

الضجة التي أثارها مشروع المرسوم المتعلق بتنظيم عمل وزارة الأوقاف لسلطة بشار الأسد، كشفت عن انحطاط ثقافة “العلمانيين الموالين”، كما كشفَت عن غباء المعترضين من أوساط “الأقليات”.

العلمانيون الموالون، والرماديون، راحوا يفندون نصوص المرسوم بندًا بندًا، ومرشدهم في نقدهم الحاد للمرسوم، فكرة زائفة طالما رددوها خلال رفضهم للثورة ودعوتهم لسحقها، وهي أن السلطة القائمة في سورية، هي سلطة علمانية. وللعلم لم يقدموا طوال ادعاءاتهم تلك ما يسند مزاعمهم، حول علمانية سلطة الطغيان والاستبداد. فعلى الأقل إن الدول العلمانية لا تثبت في دساتيرها أن تشريعاتها مستمدة من الدين، أي دين، ولا تنص تلك الدساتير على ديانة أو مذهب الرئيس، ناهيك عن قوانين وأعراف المحاكم المتعلقة بالأحوال الشخصية، فالدساتير العلمانية، في الإرث والزواج والطلاق وتسجيل المواليد، تجسد القوانين المدنية.

من جانب آخر، ذهب بعض المتحدثين باسم “الأقليات” الدينية خاصة، ومعها الأقليات المذهبية، إلى اعتبار أن المرسوم المقترح يحوِّل المجتمع والسلطة في سورية إلى “خلافة إسلامية”، ويهدد وجود الأقليات، ويدخل سورية في مرحلة “ظلامية وسلفية”، وينال من مكانتهم في البلد وفي المؤسسات المختلفة. ذلك الوصف التحذيري المرعب للأقليات لم يتم إسناده بشواهد، من نصوص المرسوم، تؤكد صحة ما ذهبوا إليه؛ فالمرسوم ببنوده كافة يتناول جوانب الحياة المتعلقة بالمسلمين السنة، ولم يتطرق إلى ما ينطوي على  أي تأثير سلبي على حياة الأقليات الأخرى.

حقيقة الأمر أن الأولين -العلمانيين- أخذتهم “العزة بالإثم” الذي ارتكبوه، حين وصفوا سلطة الطاغية بالعلمانية، فصدقوا زيف فكرتهم، ومع صدور مشروع المرسوم، مثَلوا دور “الزوج المخدوع”، فهو آخر من يعلم! لقد كان جلّ اهتمامهم، عندما قالوا: “إن سلطة بشار -مهما كانت سلبياتها ومشكلاتها- يكفي أنها علمانية”، الإيحاء بأن ثورة السوريين من أجل الحرية والديمقراطية، ستأتي بنظام إسلامي ظلامي، وما ترددوا في الإفصاح المتواصل عن خطر انتصار الثورة، وبرروا كل وحشية السلطة تحت غطاء ذلك الخطر المفتعل، الذي استخدموه للإرهاب الفكري، ولتسويغ وقوفهم إلى جانب سلطة القتل الهمجية. ولا ننسى أن عددًا منهم كان ينتحل صفة المعارضة.. ويتبع “معارضته” المزعومة بالحرف المشبه بالفعل: ولكن….؟

أما جماعات “الخوف على مستقبل الأقليات”، الذين أقنعتهم ادعاءات الطاغية بأنه هو لا غيره حاميهم ومصدر أمنهم وضامن مستقبلهم، فوقفوا ضد الثورة، أو أن بعضهم “نأى بنفسه” عن ثورة الحرية، وبلع لسانه عن قول الحقيقة، فاليوم يقفون محذرين من ارتدادات المرسوم 16 على أحوالهم، باعتباره، من وجهة نظرهم، يؤدي إلى تحويل سورية إلى “خلافة إسلامية”، ومن ثم ستعاملهم هذه الخلافة كذمّيين، بالنسبة إلى المسيحيين، أو ستقوم بتكفيرهم إذا كانوا من الطوائف أو المذاهب الإسلامية “الأخرى”. أي غير السنية! مع العلم أن أحد نصوص مشروع المرسوم يشير إلى تشكيل مجلس الإفتاء من المذاهب الإسلامية كافة، ومن رجال دين مسيحيين. وتنطوي فقرات المرسوم على “القطبة المخفية” في أحد أخطر أبعاد وأهداف الصيغة الجديدة المطروحة لعمل وزارة الأوقاف.

ليست المشكلة في “القبيسيات” المنتشرات أصلًا من أيام الدكتاتور الأب، فقد حوَّلهن المرسوم المقترح إلى “معلمات للقرآن الكريم”، ولا هي في استثمار أراضي الأوقاف في سورية عقاريًا وتجاريًا، تحت إشراف وزارة الأوقاف. كما أنها ليست في الفريق الشبابي الديني المقترح، بعد التأكيد أنه ليس حزبًا، حسب رد وزير الأوقاف الذي قام أيضًا بتكذيب ما ذهب إليه “العلمانيون الموالون” من أن المنتسبين إلى المدارس الدينية سيُعفون من الخدمة العسكرية الإلزامية.

ما لم يتناوله “العلمانيون الموالون”، وسواهم، وهم يفندون المرسوم، هو نقاطٌ تتضح من خلالها “القطبة المخفية” عن الثوب الجديد الذي ستحشر به الدكتاتورية أبناءَ الشعب السوري.

النقطة الأولى: حيث يتم فيها السماح لوزير الأوقاف بالاستعانة برجال دين وعلماء “سوريين أو من في حكمهم”، وسواهم ممن يرى فيهم الوزير فائدة للعمل الديني والفقهي. ويجب أن نقرأ في هذه النقطة فتح الباب لرجال “المذهب الشيعي” من مختلف الجنسيات، والإيرانيين خاصة، ليصبح الاجتياح الإيراني المذهبي متكاملًا (الأرض والمجتمع والجيش، ثم المرجعية الدينية).

النقطة الثانية: تقوم على تحويل الزكاة إلى “نظام الخُمس” المعتمد في المذهب الشيعي، وهو ما يعادل الضريبة الإجبارية، ولا تعود الزكاة واجبًا دينيًا فرديًا، ينفقه الفرد لمن يشاء، ويتحمل مسؤوليته “بين يدي الله”.

النقطة الثالثة: بناء شبكة من المفتين في كل المناطق والبلديات، مرجعيتها توجيهات وزارة الأوقاف، وتمييز رجالها بزيّ واحد “لفّة واحدة” على الرأس، فهؤلاء المفتون، ومعهم الفريق “الشبابي الديني”، الذي نص عليه المرسوم، يشكلان نمطًا يشبه ما يعرف لدى المسلمين الشيعة “طلاب الحوزات العلمية”.

مفاد الأمر أن المرسوم العتيد، الذي أرعب أدعياء الحرص على “علمانية غير موجودة”، والمقتنعين بأن سلطة بشار هي ضمانة “حماية الأقليات”، يدعو أولئك إلى الاطمئنان، لأن المرسوم لا يستهدفهم، لا في بنوده وفقراته، ولا في سياقه السياسي، الذي تحاول سلطة الاستبداد فيه، بعد نجاحاتها الكبيرة في سحق الثورة، استكمالَ ما تعتقده شروطًا مستقبلية “لتأبيد البقاء”. وعندما يفهم هؤلاء أن الهدف الضمني (غير المعلن) الذي لا يمكن إشهاره، يقوم على محاولة استكمال القضاء، على ما يوصف في خطاب السلطة، بالبيئة الحاضنة للإرهاب – الثورة، ويقصد بها البيئة السنية، التي قُتل منها مليون إنسان، وشُرِد أكثر من ثمانية ملايين؛ سيتنفسون الصعداء ويعلنون تأييدهم للمرسوم، لأنه يقوي “السلطة العلمانية” وحامية “الأقليات”. وعلى الأقل سيلحسون اعتراضاتهم. ويعتذرون من الوزير، لأنه أكثر وعيًا منهم لمصالح الطاغية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق