أدب وفنون

“هل تسمعين صهيل أحزاني”

(هل تسمعين صهيل أحزاني)، ديوان للشاعر نزار قباني نشر عام 1991، أي قبل رحيله في 30 نيسان/ إبريل 1998، بسبع سنوات، ولكن الديوان لم يشتهر كعادة دواوينه، لأسباب ربما تتعلق بطبيعة معاناة الشاعر في مرحلة متقدمة من عمره، وتجربته وحصاره بين فكيّ وجعين متكاملين، ذاتي وعام، وجع الشيخوخة الذي واجهه في لحظة وجودية غنية بمفرداتها وصولاتها وجولاتها في الشعر والحبّ والدبلوماسية والسياسة، ووجع الأمة التي ظلّ يستنهضها وهي تتقهقر نحو الهاوية، على يد حكام فاسدين اختطفوا السيادة على مصايرها واستعبدوا شعوبها، وفي كلا المنحيين الذاتي والعام، سيجد القارئ مسحًا وجدانيًا شفيفًا، يرشح بالأسى والحزن على الفقد والفراغ، سواء في مسار غوايته وزهوه، أو في وجعه على أمته وبلده، فما الذي يقوله نزار، وكيف يدفع بالشعر شبح النهاية؟

وحيث إنّ الكلمات “أسلحة الشاعر الدفاعية”، وليس مجرد أدوات لنقل المعاني والتصورات والأفكار، وبها يتلقّى نزار قباني القادم من الأيام والأحداث، ويدافع عن شخوصه ملء عين الزمان وباصرة ناسه، وهو يرى نفسه على حافة التلاشي والزوال، وكأن كل شيء عاشه وأبدع فيه قبض ريح! ولأنّ التخفّي أقرب إلى اعتداد نزار بنفسه ورفضه الشكوى والتذمّر والاستعطاف والاعتراف بالهزيمة؛ لذا نراه يتخفّى خلف أسئلة مداورة يتوجه بها إلى صديقة مفترضة، متوسلًا بالسؤال وبالنفي تأكيد حضوره الرمزي، وتأصيل انتسابه إلى عصبية الشعراء وانفعالية البداوة العربية الأصيلة فيه، كما في قصيدة بعنوان (مع صديقة في كافتيريا الشتات) يقول فيها:

ما تفعلين هنا/ ما تفعلين هنا/

فالشاعر المشهور ليس أنا/

لكنني/ بتوتري العصبي أشبهه/

وغريزة البدوي أشبهه/ وتطرفي الفكري أشبهه…

ثمّ يكمل الشاعر متوسلًا زيادة التأكيد على ما وصل إليه بحضوره الشبحي، بعد أن غرقت مراكبه.

“شبح أنا بالعين ليس يُرى/

لغة أنا من غير أحرفها/

ملك أنا من غير مملكة/

وطن أنا/

من غير أبواب وحيطان”

واضح أنّ الخطاب لتلك الصديقة أقرب إلى النجوى الذاتية، فكأنما جرد الشاعر حضورها الافتراضي، لتكون حاملًا لنجواه وخطابه، بما يقارب ظلالًا طللية عميقة ضاغطة تواجهه في شيخوخته، بعد أن غزاه قلقه الوجودي وشعوره باقترابه من المحاق، حيث الماضي الحافل بالأمجاد والعطاء مجرد وهم، والشخص، ذلك الجسد الضاج بشهوة الحياة، يغدو وجوده شبحيًا، ويحتاج دائمًا إلى من يدلّه على نفسه ويؤكد له حضوره الفيزيائي والمعنوي، وليس سوى المرأة، يندبها ويحفزها لاستحضار فتوته على صهوات القصيدة، وتثبّت هويته وتخرجه من حالة التشتت الذهني، وتعيد إليه وقفة الجواد الغارق في صهيله الحزين، بعد أن كان الوجود الشخصي للشاعر متحققًا بالحب والرغبة الجامحة التي خطفت أسماع الآخرين، فأنصتوا خاشعين في طقوسه الشعرية الوثنية، التي تفرّد بها نزار في جيله فحقق بها فروسية، لم ينافسه أحد في مجالاتها وميادينها.

إنها لحظة وجودية في مواجهة واسعة للشاعر مع الذات الطافحة بمخزونها الوجداني المأزوم، حيث ينصت الشاعر فيها، لما يتصادى من صهيل الحزن المكبوت، وقد ضجّت به أعماقه وراح يهجس به لسانه، فكأنما ذات الشاعر هي ذات الفرس المفعم بحاجته إلى التفريغ الوجداني، الذي يتماشى مع فلسفة الحياة والموت، حين تميد بالشاعر المسافات، فيتماهى مع حزنه وبوحه ونجواه الذاتية، وقد حاصره الكبر، وخبا في قلبه الحب وغلو الشباب وغوايته، فكانت تلك المسحة الرومانسية على معاناته ومجمل هواجسه وتوتراته وإحباطاته الذاتية والعامة، وكلها معًا يربطها رابط من نرجسية الشاعر المدلّ على نساء زمانه والمتفوق بشهرته، وقد رشحت جميعها بألوان نفسه الشجية، أمام قدر، تتجاذبه فلسفة الحياة والموت، الوجود والعدم، الحب والعافية والضمور والذبول.

هل هو الاستشراف الميتافيزيقي للشعر، وهل هناك حقائق خاصة لا يكشفها سوى الشعر حقًا؟ ربما! أم لعله إشارات شاعر لمّاح إلى مستقبلنا العربي العام والسوري الخاص، ومن خلالها يؤسس لغربته الوجودية الفنية الخاصة، حيث لا جواب منطقيًا عن أسئلة الواقع الغريبة ولا عن أخلاقياته المنهارة.

يقول الشاعر في قصيدته ذاتها:

ومن بعد خمسين عامًا/ دخلت وإياك أرض الشتات/ دخلنا إلى زمن عربي

/ تخاف به الكلمات من الكلمات/

حقائبنا سُرِقت في الطريق

/ فليس لدينا شطيرة خبز/ وليس لدينا شطيرة حب/..

وليس لدينا شفاه ولا مفردات.

أي شتات عاشه نزار وبتنا نحن -السوريين- نلوكه ونتجشأه ونتمزق فيه جسدًا وروحًا؟ هنا غدا الخاص بليغًا معبرًا عن مفارقات، من دون أن يغرق في الفلسفة، وهنا تكمن خصوصية نزار في هويته في اللغة السهلة المنيعة على الدخلاء، والتي عرف فيها وبها، منذ كان شاعر الحب والدبلوماسية، وحين غدا شاعر السياسة وانتهى إلى حكمة الحب والسياسة والحياة والموت.

وهنا يبدو الحضور الرمزي للمرأة ثيمة للتأمل ونستلوجيا تنسحب من حاضره إلى ماضيه، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لمسار حياته الغنية جسدًا وروحًا ووجدانا، وقد خاض التجارب طولًا وعرضًا، وخصّ قومه وبلده بإشارات ولمسات سريعة لمّاحة من دون أن يتخلّى عن نرجسيته، فهو يُدلّ عليها، بما له من باع في العبقرية (كيف ركبتِ حصان جنوني) حيث الجنون عبقرية قصوى، يخالف بها بلادة أمة غارقة في السبات والسكونية، إنها الأمة (السلطة) الفاعلة بالسلب (تتغرغر بماء عيونه) وتأكل خيرات الشعوب، وتتلف إرادتها وجمالياتها وروحها الحية، وفي قصيدة بعنوان (لماذا) يقول: “أنا لا أريدك أن تشبهيني/ أيا إمرأةً تتغرغر كلّ صباح/ بماء عيوني/ إن كنت تستهدفين السلامة يومًا/ فكيف ركبتِ حصان جنوني”.

ثم يفصح عن رغبة قديمة متجددة في (مخطط نزاري لتغيير العالم)، ليخرجها من البلادة والجمود إلى عالم الجمال والسعادة والترف، إلى عالم يكون حاكمًا فيه فيُلغي الأعلام والشرطة والحدود ويُقيم جمهورية الإحساس: “أريد أن أحب حتى أجعل العالم برتقالة/ والشمس قنديلًا من النحاس/ أريد أن أحب/ حتى ألغي الشرطة والحدود والأعلام/ أريد أن أستلم السلطة يا سيدتي/ ولو ليوم واحد/ من أجل أن أقيم جمهورية الإحساس”.

كأني بنزار يستحضر أمته في صورة هذه الصديقة، ليودع بين يديها بضع كلمات هي زبدة ما تطلّع إليه وما اختبره وعاناه وعانته بلاده، فتغدو الصديقة ويغدو حضورها الرمزي موضوعه الوطني والشخصي في آن واحد.

وفي (اعترافات رجل نرجسي)، نختم بقوله: “وبعد ثلاثين عامًا / تأكدت أني أحبك/ … وأيقنت أن جميع الذي كان قبلك/ كان سرابا/ كان دخانا/ وكان هباء/ وبعد ثلاثين عامًا عرفت غبائي الشديد/ وسخفي الشديد/ وأيقنت أنك شمس الشموس/ وبرّ السلام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق