مقالات الرأي

حين يستكين العالم للمؤامرة

تلجأ الأنظمة الدكتاتورية عادة إلى نظرية المؤامرة؛ كلما أرادت حجب المعلومات حول حدث ما عن مواطنيها، وبالتالي تُقدم لهم عبر وصفة بسيطة الإجابة عن تساؤلاتهم، حيث تُبعد الشبهة عن أي تقصير أو تواطؤ، وتحيل الأمور إلى قدرات خارقة للآخر العدو على حبك المؤامرات والتخطيط البعيد لكل ما يحصل، بينما يبقى النظام ضحية بريئة للخبث العالمي.

وإن كنا نفهم ضرورة هذا الفكر عند الأنظمة الديكتاتورية لتفسير عجزها أمام الخارج وبطشها بالداخل، فإن رواجه في الفترة الأخيرة في الدول المتطورة يُثير أكثر من سؤال حول مستقبل عالَمٍ وصل إلى أوج ازدهاره العلمي، ومع ذلك ينحدر -فكريًا وسياسيًا- في متاهة من التخلف والشعبوية والنظريات العرقية والقومية التي اعتقدنا للحظة أنها بلغت طور النهاية.

قليلة هي الأحداث في السنوات الأخيرة التي كانت بمنأى عن تفسيرات مؤامراتية، أضاعت النقاش الجدي حول الأسباب والنتائج والمتوقع، وبذلك فوتت الفرصة على معرفة الحقيقة.

ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في ذلك، من خلال إتاحة منبر مفتوح لكل أنواع الأفكار الشعبوية، وإعادة تفسير العالم وأحداثه بطريقة مبتذلة أقرب إلى التسطيح، تنسجم مع غرائز الناس، وتقدم لهم بنفس الوقت التبريرات المقبولة -شعبيًا- لحالتهم المتدهورة، من خلال إلقاء اللوم على الآخر/ المختلف، في إعادة إنتاج تهريجية لأفكار النازية والفاشية تأخذ بالعناوين دون أن تكلّف نفسها عناء الشرح أو الدراسة أو حتى بناء سلسلة منطقية من الأسباب والنتائج، قبل القفز المباشر إلى الحلول.

في عالم المؤامرة اليوم، تنشغل أوروبا بصعود يمينها المتسارع، وتنامي مشاعر الكره والتطرف بين أبنائها، إضافة إلى زيادة شعبية الأفكار المناهضة لليبرالية والعلمانية، والمطالبات بتفكيك الاتحاد الأوروبي والانغلاق الوطني، وبالرغم من الدراسات الرصينة والنقاشات الجدية التي تقدم تحليلًا منطقيًا لهذه الظواهر، وتُبرز أوجه الخلل، فإن قصص المؤامرة والتآمر الخارجي على الأوروبيين تطغى، وتنال شعبية على مواقع التواصل، وعلى ما يبدو، إن الطيف السياسي يعجبه ذلك بل يشجع عليه؛ لأنه ينجيه من أي مساءلات أو مطالبات بالبحث عن حلول جدية لمواجهة مستقبل القارة الذي يبدو قاتمًا.

أما أميركا فهي غارقة وإعلامها بمتابعة قصص ترامب والكشوفات المتتالية عن فضائح إدارته، ويرى الحزب الجمهوري أن ذلك يأتي في إطار مؤامرة من قِبل ما سماها “الدولة العميقة”، بالتعاون مع الحزب الديمقراطي، حتى إن تيارًا كبيرًا في جمهور ترامب والحزب الجمهوري بات يؤمن بوجود ما يسميه بالعميل الغامض “Q” أو “QANON” وهو، بحسب تصورهم، عميل غامض يعمل في الخفاء بين دهاليز البيت الأبيض، لكشف المؤامرة الكبرى التي تحاك ضد الشعب الأميركي، العديد من هؤلاء سيظهر وهو يرتدي قمصانًا كتب عليها حرف “Q”، إضافة إلى لافتات عليها ذات الحرف، في التجمعات الانتخابية التي يقيمها ترامب حاليًا، استعدادًا للانتخابات النصفية للكونغرس؛ فالقضية ليست مجرد رواية خرقاء تم تداولها على صفحات الإنترنت.

بينما يبدو الحزب الديمقراطي مكتفيًا بنظريته عن تورط الرئيس الروسي بوتين في التلاعب بالانتخابات الأميركية، عن طريق اختراق حسابات الإنترنت، والتأثير في الناخبين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتطغى ملاحقة هذه النظرية/ المؤامرة على ما سواها من مراجعات أو نقد للحزب الديمقراطي، الذي أصبح شأنه شأن نظرائه من الأحزاب الأوروبية أقرب إلى اليمين، ودراسة المجتمع الأميركي، وهكذا يهمل الجميع الإجابة عن السؤال: لماذا انتخب الأميركيون ترامب؟

السؤال السابق مهم جدًا؛ فنحن -إن شئنا أو أبينا- نتأثر بدرجة كبيرة بسيّد البيت الأبيض، وتاريخ منطقتنا في القرن الماضي يمكن ربطه بهذا البيت، فكم من الأحداث يمكن أن نذكر لم يكن للأميركيين يد فيها؟ لا أعتقد أنها كثيرة العدد بل ربما لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد.

الفكر المؤامراتي له شعبية كبيرة، وهو يطغى على ما عداه، كما أنه قادر -من دون بذل أي جهد- على تفسير الحدث ونتائجه، ضمن ثنائية الخير الساذج والشر الماكر، ونحن في سورية خضعنا لهذا الفكر مع حافظ الأسد الذي طالما روّج لفكرة أن الجميع هو عدو لسورية من أميركا إلى “إسرائيل” إلى الدول العربية؛ فالجميع يتآمر عليه! ولم يأت ابنه بجديد إلا اكتشافه للمؤامرة الكونية.

وبما أن العدوى عالمية، فإن الفكر المؤامراتي فعَل فعلته في الشعب السوري، حيث تموج صفحات (فيسبوك)، وهي المتاح الأكبر لاستعراض وجهات نظر وتوجهات السوريين، بقصص المؤامرات، حتى فقَد السوريون الثقة بأي شيء يقال، وكل حدث يقع هو مؤامرة من نوعٍ ما، يتم استغلالها من قبل النظام وروسيا لضرب الثورة السورية.

وتختلف النظرة إلى المؤامرة والتآمر، بين الديمقراطيات الغربية ودكتاتوريات الشرق؛ فروسيا تروج في إعلامها وخطابها السياسي للكراهية الغربية لروسيا، وتُرجع كل تصريح أو موقف أميركي أو أوروبي إلى هذه الكراهية، فهي، أي موسكو، لم تحتل أوكرانيا ولا دمّرت سورية ولا اغتالت معارضيها في الدول الأخرى، ولا تدخلت في الانتخابات، بل إن سر الغضب العالمي هو منحصر في الضغينة والحسد والكره التاريخي للشعب الروسي. ويمكن رؤية تأثير هذا الخطاب في تزايد الشعور القومي بين الروس، بل إن بعض الجماعات اليمينية تعتبر بوتين متساهلًا مع الغرب.

ومثل روسيا، نجد إيران التي لا تتوقف عن تسويق الكذب، والتستر خلف خطاب ديني غيبي، لتبرير كل أفعالها، ولا تجد أمامها لتفسير الفقر وسوء المستوى الاقتصادي والعلمي، في دولة غنية بالنفط والغاز، إلا الشياطين الكبرى التي تتآمر عليها.

الركون إلى الفكر المؤامراتي يصبح خطيرًا؛ كلما طغى على غيره من تحليلات ودراسات تعتمد المناهج العلمية في التحليل، حيث يؤدي إلى شيوع الأحكام المعدة مسبقًا والتصنيف بين الخير والشر دون عناء البحث والبرهنة، كما يؤدي إلى ركون المظلوم أو الضحية إلى قدرها، فأنى لها أن تقاوم العالم الذي يتآمر عليها! وإلى زيادة الصلف والغرور من قبل المجرم، فهو بـ (بوست) على (فيسبوك) يزيح كل التساؤلات والاتهامات عن كاهله إلى المبني للمجهول من قوى الشر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق