سلايدرقضايا المجتمع

حكومة الأسد تتهم نخبة المثقفين والخبراء والفنانين بـ “الإرهاب”

حين زرت الولايات المتحدة الأميركية عام 1998، فوجئت بأنني الوحيد الذي جرى تفتيش حقائبه في مطار مدينة منفيس، وكنت متجهًا يومها مع مضيفي إلى العاصمة واشنطن، ما يعني أنها رحلة داخلية، ولذلك فوجئنا، إذ إن الرحلات الداخلية آنئذٍ لم يكن ركابها يخضعون للتفتيش. اعترض مضيفي الذي يحمل الجنسية الأميركية قائلًا لموظف الأمن بصوتٍ سمعه بقية الركاب: لا يحق لك أن تستثني صديقي من بين جميع الركاب لتفتش حقائبه، هذه عنصرية!! أخرج الموظف من درج مكتبه ورقة عرضها عليه، وقال هامسًا: انظر هنا، صديقك سوري، وسورية مع سبع دول أخرى موضوعة على قائمة الإرهاب، ومن واجبي قانونيًا تفتيشه، وأنا أعتذر إن سببتُ له الإحراج.

لم تكن أميركا وحدها من صنفت سورية كراعية للإرهاب، منذ أحداث حماة عام 1980، بل إن السوري كان -ولا يزال- يجد نفسه على أي معبر دولي في وضع المتهم الذي يجري استجوابه قبل السماح له بالعبور، والمفارقة أن المسؤولين الحكوميين السوريين الذين دمغوا سورية بصفة الإرهاب، كانوا يتنقلون بسهولة لصفتهم الرسمية، والمفارقة الأخرى أنه وفي تلك الفترة كان وليد المعلم رئيس بعثة سورية في الأمم المتحدة، ومعاونه فيصل مقداد، يناضلان في مجلس الأمن من أجل تعريف واضح للإرهاب، ولم يكن بإمكان ذلك المجلس طبعًا أن يصف الإرهاب بأنه: كل معارضة سلمية أو عسكرية للنظام الحاكم، كما يتمنى نظام الأسد، بل عرّفته المحكمة الجنائية الدولية بأنه: القتل المتعمَّد والمنظم للمدنيين أو تهديدهم به لخلق جو من الرعب والإهانة للأشخاص الأبرياء من أجل كسب سياسي، أو هو الاستخدام غير القانوني للعنف ضد الأشخاص والممتلكات، لإجبار المدنيين للإذعان لأهداف سياسية، أو هو، باختصار، استخدام غير شرعي ولا مبرَّر للقوة ضد المدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية.

كان الشعب السوري -وما يزال- ضحية عنف منظم انتهجه نظام البعث منذ اغتصابه للسلطة عام 1963، بواسطة أجهزة أمنية متعددة اتسع نفوذها وتضخمت أعداد عناصرها، وانتشروا بين الناس في المدارس والدوائر الحكومية والمعامل والمنظمات المدنية وحتى في القرى والمزارع النائية، واعتمدوا مخبرين لهم من أصحاب الدكاكين الصغيرة والباعة الجوالين، وعمال النظافة والحدائق، وتغلغلوا في كل مفاصل الجيش والشرطة والجمارك، وكذلك بين ركاب المواصلات، وفي البعثات الدبلوماسية الخارجية، وبين أفراد الجالية السورية أينما وجدوا حول العالم، إلى الحد الذي جعل السوريَّ في الداخل والخارج يعاني من رهاب السلطة؛ فلا يأتي على ذكرها بالنقد، وإن كان نقده يستهدف الخدمات العامة مثل الكهرباء والماء والهاتف.

روت لي الفنانة المغنية سهام إبراهيم أنها جلست في بهو الفندق السويسري، بعد أن أدت وصلتها الغنائية وسط بعض المعجبين، فسألها أحدهم ممازحًا: “كيف لقيتي سويسرا؟ متل سورية؟” أجابته: “والله بلدنا حلوة متل سويسرا، بس لو تتطبق فيها القوانين ع الكل”، وأضافت: (بعد حين اقترب مني شاب عرّف نفسه بأنه يعمل في السفارة السورية، وقال لها بحزم: “مو عيب عليكي تحكي على بلدك؟ ها المرة رح مرقلك إياها، بس أوعى تعيديها، إذا ناوية تضلي تغني برا”).

آلاف القصص المشابهة عاشها السوريون في الداخل والخارج، خلقت حالًا من الرعب لازمت حياتهم وحياة أبنائهم، وكانت تلك القصص هينة بسيطة قياسًا إلى قصص الاعتقالات على الشبهة والتغييب القسري والقتل تحت التعذيب للمعارضين من أصحاب الفكر والضمير، لقد صنفت أجهزة الأمن الأسدية كل أفراد الشعب السوري على أنهم إما موالون يهتفون للرئيس ليل نهار وعلى استعداد لفدائه بدمائهم وأرواحهم، وإما معارضون سلبيون، وهم الصم البكم العمي الذين لا يمتدحون ولا يذمون، أو أنهم إرهابيون يحلُّ سجنهم ونفيهم وقتلهم، أوحجز ممتلكاتهم في أدنى درجات الانتقام، وهم أولئك الذين يعبّرون بكلماتهم المكتوبة والمسموعة عن آرائهم السياسية التي تنتقد أداء وسلوك السلطة، حتى وإن أتت رقيقة شفافة موضوعية، كما حدث للمفكر عبد العزيز الخيّر، والمفكر شبلي العيسمي، وآلاف مثلهما اعتقلوا أو اختطفوا، وقتل أكثرهم تحت التعذيب الوحشي.

تعريف الإرهابي في قاموس دولة الأسد يطال أي معارض للاستبداد والظلم الفادح الواقع على الشعب السوري، وهو يشمل زوجته وأبناءه ولو كانوا بعمر خمس سنوات، كما جاء في القائمة الأخيرة التي نشرتها وزارة المالية، وقد شملت ثلاثة عشر شخصًا يمثلون نخبة الشعب السوري من المفكرين السياسيين والخبراء الاقتصاديين والصحفيين الأكاديميين، ونجوم الفن المبدعين، وهم جميعًا ضد عسكرة الثورة، وهم جميعًا دعاة دولة ديمقراطية برلمانية تعددية، دولة لكل المواطنين دون تمييز، وهم بالتأكيد ضد العنف أيًا كان مصدره، هذه القائمة وحدها دليل كافٍ يمكن لمحكمة الجنايات الدولية اعتمادها كدليل على إرهاب الدولة المنظم للمعارضين، فكيف بالمجازر والتدمير والقتل في السجون وتشريد الملايين؟

بعد صدور تلك القائمة المشؤومة، التي وصفت تلك النخبة بأنهم متورطون في الأعمال الإرهابية التي يشهدها القطر، والتي ألقت بموجبها الحجز الاحتياطي على أموالهم المنقولة وغير المنقولة، هم وزوجاتهم وأبنائهم من اليافعين والأطفال، تواصلتُ مع بعضهم، وحصلت على ردّات فعلهم، وهأنذا أنقلها حرفيًا:

باسل العودات، كاتب وصحافي، رئيس تحرير شبكة جيرون الإعلامية، قال: “القضية السورية قضية سياسية وأخلاقية وإنسانية، ومن يرفض الظلم والتمييز، ويُطالب بحقّه أن تكون سورية دولة ديمقراطية، عليه أن لا يتفاجئ بأي نتائج، لأن كل شيء متوقع من الأنظمة الأمنية التي ساهمت بشكل مباشر في تدمير البلد، ولطالما استسهلت إلقاء التهم الشريرة على المعارضة، مُعتقدة أنها بذلك ستكمّم الأفواه”.

وأضاف: “اللافت في الأمر أن التُهم في لائحة العقوبات الأخيرة هي (التورط في الأعمال الإرهابية)، مع أن جميع من في القائمة هم إعلاميون وفنانون وباحثون، من أصحاب المواقف الرافضة للسلاح والعسكرة، ولا يملكون سوى قلمهم وفكرهم، وليس لديهم سوى سلاح الكلمة، التي يدعون من خلالها إلى دولة تعددية تداولية ديمقراطية، وهي من حقّهم، ومن حق كل السوريين الأحرار”.

غسان جباعي، كاتب ومخرج مسرحي، مدير القسم الثقافي في الشبكة ذاتها، قال: “إنه قرار إرهابي من طراز غبي، يثبت أنه من ليس معنا فهو مع الإرهاب، ويثبت أن النظام يريد فعلًا مجتمعًا متجانسًا، كنا نظنها مزحة، لأن الله نفسه لم يخلق شعبًا متجانسًا، بما في ذلك شعب الله المختار، كنت أظن أن يستثني من هم تحت رحمته، أمثالي، وأرى أن مثل هذه القرارات ستسقط مع سقوط النظام، وليس ذلك ببعيد”.

عبد الحكيم قطيفان، النجم التلفزيوني الشهير في الوطن العربي، قال: “للأمانة، لم أستطع إلا أن أضحك ضحكة طويلة ساخرة، ثم بمرارة، وثالثة بقرف… والسبب أنني اعتدت كأي سوري، على مدى عقود، على الأداء الفج والوقح والغبي لهذه المافيا القذرة، لكل من لا يكون عبدًا ذليلًا ومتجانسًا مع هيمنة البوط العسكري، لكن أن تصل إلى أطفالنا بعمر سنة وثلاث سنوات، ولثبوت تورطهم في الأعمال الإرهابية التي يشهدها الوطن! أيّ سخرية هذه!”.

حبيب عيسى، أستاذ جامعي وكاتب ومحلل سياسي، عقّب على القائمة قائلًا: “قابلت ما جرى بالسخرية، ليس إلا.. المهم ليس ما حدث.. المهم ماذا تخبئ لنا الأيام القادمة، وماذا أعددنا لمواجهتها، أنا أعيش في بيتي الدمشقي المحجوز، ولن أغادر إلا إلى القبر”.

مأمون البني، المخرح السينمائي والتلفزيوني الشهير، قال: “هكذا قرار، وبهذا الشكل، وبهذا الاتهام، يعجز اللسان عن وصفه، ويعجز العقل عن تفسير أسبابه، لذلك أنا حتى الآن غير مصدق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق