سلايدرقضايا المجتمع

جبل “الأكراد” في اللاذقية وحلم العودة

اعتاد سكان الساحل السوري على تقسيم المنطقة الساحلية الممتدة من ريف حمص، طرطوس، اللاذقية وريفها، وبعض المناطق الريفية التابعة لمحافظتي حماة وإدلب، بحسب تضاريسها الجبلية، وتسمية هذه المناطق نسبة إلى جبالها: جبال العلويين، جبل صهيون (نسبة إلى قلعة صهيون في منطقة الحفة)، جبل الأكراد، جبل التركمان.

يقع جبل الأكراد شمال شرق اللاذقية، وتتبع معظم قراه إداريًا لمحافظة اللاذقية، مع وجود بعض القرى التي تتبع لحماة وإدلب.

تقول الدراسات الإنتروبولوجية والتاريخية إنَّ أصول أهالي جبل الأكراد هم من بقايا الجنود الذين وفدوا مع جيوش صلاح الدين الأيوبي في مقاومة الحملات الصليبية، إذ كان من عادته ترك الجنود وعائلاتهم كحصون ومخافر لحماية الساحل السوري، وتنقسم عائلات الجبل إلى عشائر شيخان، موشان، كيخيا، عوجان، وما يلفت النظر التشابه بين اسم العائلات في جبل الأكراد وبين عائلات أكراد الجزيرة السورية وأكراد حلب مثل: (برو، حجيكو، محو، حسنو، بكداش، فاتو، حسينو، حسو، بريمو، سيو، أوسي، سينو، حمادو، سليمانو، يونسو، الحجي، رستم، بازيدو، وليو، كيلو، حج بكري، خليلو…)، وغيرها كثير، ويضم الجبل بعض القرى المسيحية، وقرية مرشدية وبعض العوائل العلوية، بل إنّ هناك نبع ماء في جبل الأكراد اسمه (نبع قامشلو)، يقع في أرض يقول صاحبها: تقول الحكايات إن نبع هذا الماء من مياه دجلة.

يتكلم سكان الجبل لغة عربية جبلية، تُميّز أهل الجبل من جيرانهم في جبال العلويين أو سكان المدينة، ومن طرائف الزمان أنني استُدعيت مرة للتحقيق في شعبة الأمن السياسي في دمشق، بتهمة الحقد على المؤسسة الأمنية العسكرية، وكان أحد الأسئلة عن قريتي أين تقع؟ فكان جوابي، تقع قرية مَزِّين في أحقر بقعة في الجغرافية السورية! تفاجأ المحقق قائلًا: ماذا تقصد؟ قلت له: لهجتنا ليست علوية، وكل العلويين يميزونها فيعرفون أننا سنّة، وعندما نكون في دمشق وحلب يظن الدمشقيون والحلبيون أننا علويون، فينافقون لنا ويخافون منا، وأهل الجزيرة وعفرين يقولون لنا: لو كنتم كردًا لما نسيتم لغة الأجداد!

شارك جبل الأكراد في معارك ضد الفرنسيين، وانقسم تاريخه السوري بين عائلات توالي حزب الشعب، وعائلات توالي الحزب الوطني في مرحلة الاستقلال.

انضم بعض أفراد من الجبل إلى تنظيم (الإخوان المسلمين)، كان مصير بعضهم القتل الميداني والتمثيل بجثثهم في قريتي سلمى ودويركه، واعتقال البعض في حملة عسكرية من الوحدات الخاصة وسرايا الدفاع.

كان الجبل مُهمشًا من كل نواحي الحياة والبنى التحتية، أبسطها عدم وجود المدارس الإعدادية والثانوية إلا في بضع قرى، بينما كان في الجبل قسم للأمن العسكري وقسم للأمن السياسي ومجموعة من المخافر وشبكة من المخبرين السريين والعملاء، ونسبة الموظفين الحكوميين من سكان الجبل لا تتجاوز 2 بالمئة، بينما يعمل معظم سكانه في المهن الخاصة والأعمال الزراعية. وعلى سبيل المثال، تم توظيف عشرة شبان من قريتي في مؤسسة التبغ، بعد أن تزوج رجلٌ من القرية امرأةً علوية طيبة المعشر حسنة الخلق، أحبّت أهل القرية فطلبت من أخيها (الذي يشغل المدير العام لمؤسسة التبغ) توظيف هؤلاء الشبان في القرية، فكان لها ما أرادت.

انضم أهالي الجبل إلى الثورة السورية مبكرًا، وكان الجبل ملاذًا للمتظاهرين السلميين، في اللاذقية وبانياس وجبلة، والمطلوبين والملاحقين، وتم اعتقال كثيرين من أبناء الجبل على الحواجز بين اللاذقية والجبل، وخُطف كثير من أبنائه ولا يعرف مصيرهم حتى اليوم.

تم تشكيل أول تنظيم عسكري منظم في الجبل، عن طريق الشهيد رياض عادين وضابطين من عائلة شيخاني، وقد شكّلت طبيعة الجبل وبساطة تديّن أهله نماذجَ مثالية للكفاح المسلح، بعيدًا عن الأدلجة والارتباطات المشبوهة، انتهت هذه الحالة المثالية مع دخول (النصرة) و(داعش)، حيث كثرت الاغتيالات في الجبل والخطف، وقامت (النصرة) بخطف نساء علويات من القرى المجاورة، كما قامت بتهريب قاتل النقيب رياض أحمد من السجن، واغتالت (داعش) “أبا بصير” أحد أهم القيادات في الجبل، وتدفق المال، وانقسمت الولاءات، وتأدلجت البندقية، من بعد أن كانت بندقية ثورية وطنية استطاعت -على بساطتها- في بدايات العمل الثوري المسلح، تحريرَ أصعب المراصد من أيدي النظام، أبرزها برج القصب.

تعرّض الجبل، بعد عجز قوات النظام عن اقتحامه واسترداده، للهجمات الصاروخية اليومية، بمختلف صنوف الأسلحة، وظلّ أهل القرى صابرين رغم الضحايا اليومية للصواريخ والبراميل، واستمرت الحال على ما هي عليه حتى مجيء القوات الروسية والدعم التقني والجوي، حيث استطاع هذا الدعم الحليف للأسد قلب موازين المعادلة، ومهّد بدوره لدخول قوات النظام والشبيحة وكتائب التعفيش؛ فغادر أهل الجبل قراهم، ونصبوا خيامهم على الحدود التركية، أو نزحوا نحو القرى والمدن التركية.

يبدو أنّ جبل الأكراد يُشكّل منطقة استراتيجية تُشكّل قلقًا للنظام، إن هي خرجت من قبضته، وكذلك يبدو أن الروس أكثر تمسكًا بهذه المنطقة، لكونها تفصل بين مناطق العلويين ومناطق إدلب وريفها من جهة، ولكونها تحتل موقعًا مهمًا يشكل ورقة ضغط دائمة على تركية، كمراكز مراقبة ورصد، ولذلك خلا ذكر جبل الأكراد من أي وضوح عن مصيره بين أطراف القمة الثلاثية، بين أنقرة وموسكو وطهران، ومن يعرف منطقة جبل الأكراد والتركمان جيدًا يُدرك أنّ تحرير هذين الجبلين، وخروجهما عن سلطة الأسد، يعني حكمًا تقويضًا لأي كنتون أو كيان ستكون عليه منطقة الساحل السوري، سواء أكان كيانًا يُحكم ذاتيًا أو تحت مسمى الفدرالية التي يجري الحديث عنها.

يبدو أن الهجمات الدائمة على ريف جبل الأكراد وجسر الشغور، وبعض نواحي إدلب القريبة من حماة وريف إدلب، هي رسالة مستقبلية من النظام لأي كنتونات موازية لمناطقه التي يسيطر عليها، ما يجعل جبال الأكراد والتركمان جغرافيا سيبقى النظام والروس يعدونها خط الدفاع الرئيس الأول عن أمنهم واستقرارهم، ولذلك يبدو لي أن من المستحيل أن يكون الجبل لأهله، تحت أي تسوية سياسية قادمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق