مقالات الرأي

ميدان السياسة السوري.. النهضة أم جدران الدم

منذ ظهور السلطات، بمختلف أشكالها (أبوية دينية سياسية)، ولدت المعارضة لتكون الوجه المضاد لهذه السلطات، ولها مشاريع وأهداف مختلفة عن السلطة، فالمعارضة السياسية لأنظمة الحكم هي القوة الفاعلة والقادرة على التغيير في المجال السياسي، والسلطة والمعارضة كلاهما تعتمدان فعليًا على البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لأي بلد من البلدان، وتخضعان للمتغيرات الدولية بنفس الطريقة، مع الاختلاف بحدودهما وإمكاناتهما والخصوصية المحلية، مع إمكانية تبادل الأدوار حسب المتغيرات في موازيين القوى الخارجية والداخلية المتمثلة في الجماهير الشعبية التي تمّت تنحيتها بشكل كبير عن مساحات الصراع، وحصره بين طرفين “المعارضة والسلطة”، في المعمعة التي تعيشها سورية.

ما كشفه الحراك الشعبي، عن هشاشة البنية الوطنية السورية وضحالة الحياة السياسية، أدخل السوريين داخل دوّامة من فوضى الانتماء؛ فالسلطة التي أتقنت خلال عقود صياغة خطابها عن الوطنية لم تتقن ممارستها، لا ضمن ارتباطها بمنظومة الأمة العربية، ولا داخل حدود الكيان السوري. وسيطرة الحزب الواحد على السياسة والمجتمع، في ظل الانتساب الإلزامي والقمع لأي مظهر من مظاهر المعارضة السياسية، فرض حالة من انحسار الفاعلية السياسية، وثبّت غيابَ التمثيل الشعبي للأحزاب حتى المعترف بها رسميًا التي امتطت “الجبهة الوطنية الوطنية التقدمية” منذ 1972، تحت مسمى أحزاب معارضة، ولم تقدّم للشارع السوري أي ثقافة حزبية، بل تبنّت حالة التهميش التي اقتصر انتشارها على الوراثة أو الصدفة، لتكون أحزابًا محدودةً وغير فاعلة في القضايا المهمة والمصيرية؛ ما شجّع ظهور معارضين كثر لم ينغمسوا في الحيّز الحزبي لتلك الأحزاب، ولم يتوافقوا مع أيديولوجياتها المختلفة، كما أدّت هزيمة المشروع العربي وانحسار الفكر التقدمي الاشتراكي إلى ظهور أنواع متخلِّفة من الأصولية، استطاعت التمدد في ساحة خالية جهّزتها لها السلطة، واغتنت نتيجة الانجذاب الشعبي للأيديولوجيا الدينية وسهولة الترويج لها، وسهولة الانخراط في صفوف أحزاب دينية، وهو ما لم تحظَ به الأحزاب السياسية، نتيجة غياب الثقافة الحزبية وتغييبها، والتخويف منها بسبب الممارسات القمعية للنظام، وضحالة الأحزاب الموجودة، وكل هذا جعل الميدان السياسي يتحدّد بأطراف تتعدى السلطة والمعارضة والحياد، وتتمدد إلى تفرعات أخرى من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ينتفي معها البحث عما هو عام ومشترك بين جميع الفئات الاجتماعية، ويجمعها نسبيًا عدم الاعتراف بأن السياسة، بكل أشكالها “معارضة وسلطة”، هي فعالية اجتماعية ومجتمعية، وما يترتب عليها وما ينتج عنها يخص الشعب.

لم تكن محاولات تنشيط العمل السياسي أمرًا سهلًا بالنسبة إلى تشكيلات المعارضة، فوعود الإصلاح والتغيير التي أعلنها الرئيس الأسد، زادت مطالب البحث عن إطار تشريعي لوجودهم، عبر إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وإقرار قانون للأحزاب يعيد تنظيم الحياة السياسية، ولكنها لم تسفر عن جديد، فالأوضاع الأمنية بقيت على حالها وتمّ اعتقال عدد من رموز المعارضة كناشطي “ربيع دمشق”، واستمر حصار النخب العلمانية السياسية إلى أن قامت الثورة باختراق هياكل الجمود، وفرضت عودة السياسة إلى المجتمع عبر أشكال جديدة من التنظيم والتحشيد، وفرضت على الحكومة الإسراع في إيقاف العمل بقانون الطوارئ لصالح محكمة الإرهاب، ثم إقرار قانون الأحزاب في آب/ أغسطس 2011، والترخيص لعدد من الأحزاب الجديدة المتنوعة في اتجاهاتها السياسية، ولكن معظمها بقيت ذات فعالية محدودة، ولم تستطع إعادة الارتباط ما بين المواطن والسياسة، فالحياة السياسية انحصرت في اهتمام السوريين بالحدث السياسي ومجريات الأحداث ودمويتها اللاحقة، وعلى متابعة تفاصيل الأحداث المحيطة التي لا تعني ارتباط بالسياسة أو فعالية سياسية بقدر ما هو ارتباط عاطفي بالوطن، ولا تُعبّر عن انتماء المواطنة بمعنى الحقوق السياسية، فهذه لا يمكن بناؤها إلا عبر الأحزاب السياسية، باعتبارها مساهمًا فعّالًا بتأهيل وصناعة هذا الانتماء، من خلال المؤسسات التي تكون بديلًا عن الخلاص الفردي أو الفئوي الطائفي.

فائض قوى المعارضة والأحزاب التي توزعت بين الداخل والخارج، عقب الثورة، لم يساهم في تطوير الحياة السياسية، وبقي خاضعًا لمأزق العنف والأسلمة الذي فرض على السوريين السقوط في هاوية الخيارات القاتلة، واقتصارها على النظام أو قوى التسلط الديني والارتداد نحو الطائفة والعشيرة، أو الانكفاء السلبي عن أي فعل، وهي الخيارات المسنودة إلى كثير من المبررات، لقبولها من قبل الجماهير في ظل استحواذ السلطتين السياسية والدينية على المجتمع، وقدرتهما على التمدد في كافة مناحي المجتمع، الأولى بفعل القوة القمعية واعتبار نفسها الحامية من الفوضى والمؤامرات الخارجية التي تحاك ضد الدولة، والقادرة على مواجهة التمدد الأصولي في مجتمع متنوع، والثانية بفعل التكوين المجتمعي وقدرة الأحزاب الدينية على طرح نفسها كمدافعة عن الطبقات الشعبية، والبديل الفعلي عن الأنظمة الاستبدادية السائدة، وتحقيق أهداف الشعوب بالعدالة الاجتماعية كهدف استراتيجي متمثل بإعادة الخلافة الإسلامية، وتمكين هويتها وتوظيفها في إطار ديني متطرف محمول على حركات جهادية تكفيرية تقف في مواجهة قوى المعارضة والنظام، التي قابلها انعدام قدرة الأحزاب السياسية على بلورة هوية فكرية وسياسية، يمكنها اختراق منظومة الدين والسلطة لتشكيل عوامل القبول المجتمعي للانخراط في صفوفها. فالأزمة المتأصّلة والعميقة في إيجاد مخرج لضيق القاعدة الشعبية للأحزاب السياسية أضيف إليها تخلّي بعض المعارضين عن هويتهم الفكرية، أو استبدالها بهويات أخرى طائفية أو إسلامية، تعمل على تفكيك البنى الاجتماعية، وتقف بوجه الفكر العلماني وملامح التحرّر والتنوّع في المجتمع السوري.

جملة العثرات التي مرّت وتمرّ بها الأحزاب السياسية لن يكون حلّها في استمرار تسليط الضوء باتجاه الآثار الناجمة عن استلاب السلطات السياسية والدينية -على ضرورته- إنما باختيار طريقة أخرى لآلية توجهها نحو الوسط الاجتماعي لتفعيل دورها، فبدل إثقال كاهلها بالتحليل والبحث لتقدّم أفكارًا، على الرغم من غناها، لا تخاطب المواطن وتحثّه على التفاعل معها، بل تخاطب عقول النخبة من المفكرين والمثقفين وتُنفر جزءًا كبيرًا من الجمهور، يمكنها بناء تقاطعاتها مع مطالب المجتمع، وفق الحقوق الأساسية للحياة كالعدالة والإخاء والحرية والمساواة واحترام حقوق الآخرين في الاعتقاد والتعبير، وهي تمثّل مطلبًا للجميع وتنادي به معظم الأحزاب العلمانية أو الليبرالية، وهي نقطة الاستقطاب والالتقاء بين كافة المفردات التي تنتشر على الساحة السورية.

السوري الغارق في حالة من اليأس والتصالح مع الواقع الآني، وقبوله على مضض، لا ينتظر الكثير من الأقوال بل يعتمد على بعض العمل الجاد نحو تقديم مشروع تنموي اجتماعي سلمي يساهم في بناء دولة القانون والمساواة، حيث تكون بديلًا يتخطى حالة أي معارضة أو سلطة، ويتجاوز التناقضات البنيوية وأيديولوجيات القسر ويكون من مصلحة كافة الأطراف، بدل لعبة الإضعاف والتفكيك والدفع باتجاه بيئات ترتفع فيها جدران الدم التي تمارسها كل الأطراف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق