أدب وفنون

من حكايات النساء في تلك المدينة

-1-

انحنى إليها كما ينحني أميرٌ رقيق القلب إلى وردة، وقبّلها بلطف على جبينها. لطالما تمنّتْ في أعماقها مثلَ هذه القبلة، منذ أن تزوّجا من سنوات.. بهدوءٍ، وكأنها ريشة رسام، سبابته داعبتْ أنفها ثم خدها، ليالٍ كثيرة وهي تحلم بمثل هذا الحنان. قبّلها ثانيةً، وهو يستنشق عطرها بحب.. لسنوات انتظرتْ قبلته وما يئستْ.

ولأول مرة اقترب من أذنها، تنهّد وهمس بتعب: أحبك.. وأخيرًا نطقها بعد زمن ٍطويل مرّ بثقل ٍعلى روحها -كما يمرّ قطارٌ على عصفورة- وهي تتخيل هذه الكلمة، وتنتظرها بفارغ الصبر. رغم كل هذا، في هذه الدقائق.. لم تأبه له مطلقًا.. لأنها منذ ساعة ونصف مجرّد جثة.

– 2 –

منذ بداية هذا الشتاء، كلما مرَّ هذا المتشرد بثيابه الرثة، من أمام متجر الألبسة النسائية الفاخرة في سوق المدينة، نظر إلى واجهته.. فيشاهدها واقفة -بكل جمالها- خلف الزجاج، بفستان قصير، وهي تفتح ذراعيها تنوي أنّ تعانقه بحب.

رغم هذا، ولـ مساءات عديدة ظلّ يكذّب في سرّه -كلما مرَّ من هنّا- تلك الرغبة العميقة في عينيها لمعانقته.

لكن.. هذا المساء، وهو يترنح متعبًا من حياته، مرَّ على الرصيف المقابل لها، نظر إليها، صدق للمرة الأولى رغبة عينيها، عندئذٍ ركض بسرعة حتى يعانقها وهو يفتح ذراعيه.

فجأةً.. ارتطمتْ حياته كلها بالزجاج ارتطامًا قاسيًا، ثم سقطتْ على الرصيف بكل سنواتها كخرقة بالية، لتضيع بين أرجل العابرين، في سوق المدينة.

– 3 –

لشتاءين وهو لا يغادر أحلامها، لشتاءين وهي تحرم نفسها من كل شيء حتى تدخر ثمنه.

لشتاءين وهي تتخيله على كتفيها، في أحلام ٍ وردية.

الآن، أصبح بحوزتها كل ثمنه، جمعت صديقاتها ليشاركنها هذه المناسبة العظيمة في حياتها، وأسرعن إلى أضخم معرض للمعاطف في المدينة. حيث اشترت معطف فروٍ فاخر جدًا.

أثناء العودة بكت فرحًا في السيارة وصديقاتها يزغردن.

في منزلها، وتحت صمت الصديقات، اقتربت من تلك المرآة الطويلة وهي تحبس أنفاسها في صدرها، ثم ارتدت على جسدها معطف الفرو.

عندئذٍ، عاصفة تصفيق صديقاتها هبت بصخب على الغرفة، مع صدى شهقاتهن الأنثوية.

هي، تمنت في سرها خلال ثانية أن تموت الفصول الثلاثة، وأن يظل فصل الشتاء فقط على قيد الحياة، ليظل هذا الفرو على كتفيها إلى الأبد.

لدقائق ظلت تداعب معطفها وكأنه عشيقها، وتتأمله بحب على السطح الزجاجي للمرآة، وقد سحرها جماله.. لتتخدر روحها بنشوة عارمة.

لكنها لم تنتبه قطّ، إلى أنها هي نفسها لم تكن موجودة في المرآة نهائيًا.

معطف الفرو وحده، كان موجودًا في المرآة.

– 4 –

أحبّتْه جدًا بعد أن شاهدته أول مرّة على شرفته من شرفتها، عندما سكن منذ أشهر قليلة أمام منزلها.

حاولتْ كثيرًا في هذه المساءات الصيفية، بكلّ ما في خيالها من ألاعيب أنثوية، أن تلفت نظره إليها، لكنه لم ينتبه البتة، ليظلّ كما هو.. يشرب القهوة ويدخن بملل.

ذات مساء، خطرتْ على بالها فكرةٌ رومانسية، أسرعتْ إلى باب بيته حيث وضعتْ فردة حذائها أمامه وعلقتْ عليه وردة، رنّتْ الجرس وهربتْ لترجع إلى غرفتها، حيث استلقتْ على سريرها وراحتْ تتخيله كيف يطرق أبواب الجيران، ويطلب من الفتيات دسّ أرجلهن في فردة حذائها، حتى يصل باب بيتها ليكتشف أنها هي صاحبة الحذاء، فيحضنها ويقبلها، وبعد أسبوع يتزوجها.

لكن، لا شيء من هذا حدث، مشتْ إلى شرفتها فشاهدته لا يزال يدخن بملل، ووردتها على طاولةٍ أمامه.

تنهدتْ ثم أسرعتْ ثانيةً إلى باب بيته، لتضع الفردة الثانية لحذائها، رنّتْ جرسه وهربتْ، انتظرته طويلًا في غرفتها، لكنه لم يأت.

خمّنتْ في سرّها أنه قد ظنها عجوزًا لأن حذائها من النوع المتواضع.

في صباح اليوم التالي، ذهبتْ إلى السوق واشترتْ حذاءً جميلًا، في المساء، ولمرتين متتاليتين.. وضعتْ فردتي حذائها على درجه، لتهرب بعد أن ترن جرسه، لكنه لم يأت.

وهكذا، لأيام وهي تشتري بلا تعب الأحذية النسائية الجميلة في الصباحات، ثمّ ترميها على الدرج أمام بيته في المساءات، علّه يلاحقها ويفتش بين أرجل الفتيات عنّها، لكنه لم يفعل.. إنما ظلّ على شرفته جالسًا يدخن بملل كعادته.

هذا الصباح، كانت تمشي في شوارع سوق المدينة، وهي تتأمل زجاج متاجر الأحذية، تنوي شراء حذاءٍ جديد لأجل خطتها التي لم تمل منها بعد.

شهقتْ بألم عندما لمحته بين باعة الأرصفة يدخن بملل، أمامه طاولة عليها كل أحذيتها الجميلة، اقتربتْ منه، فلم يعرفها.

عندئذٍ.. قبل دمعتها بقليل، وبسعرٍ رخيص جدًا.. اشترتْ منه أجمل أحذيتها.

– 5 –

مضتْ ست سنوات، ووردته لا تزال في يده، وهو على مقعدٍ بجانب شجرة على طرف طريقها.

الآن، رمته على عجلٍ بابتسامتها الأنثوية الساحرة، كعادتها في كلّ مرّة تشاهده.. ثمَّ تابعتْ سيرها بشيءٍ من اللامبالاة.

وللمرة الألف، حاول أن يستغل مرورها لينحني إليها، ويخطف منها قبلة رقيقة، تنتشل روحه من عتمة ست سنوات أمضاها بحزن، وهو لا يحلم بأي شيء، سوى أن يمتلك القدرة على الانحناء أثناء مرورها به، ليقبلها.

لكنه، وللمرة الألف.. فشل في أن ينحني، لتضيف ابتسامتها الأخيرة لأحزانه حزنًا جديدًا، والقبلة التي في خياله تُشنق مجددًا.

حتى هي، رغم أنها تمر به كثيرًا، وأحيانًا كل بضع ساعات وتنظر إليه.

لكنها لم تنتبه ولا مرة إلى أن هذا الرجل مغرمٌ بها حتى الثمالة، وأن ابتساماتها العذبة هي ماء روحه.

ولم تنتبه قطّ إلى أن ملامحه تزداد حزنًا، مرورًا بعد آخر، وكأن مرورها به مجرد روتين.

لهذا، في الأشهر الأخيرة، ثمّة شحوبٌ هادئ، له اللون الداكن للانتظار المرير، راح يتسلل إلى ملامحه، على إيقاع تفسّخ روحه ببطءٍ قاس ٍأدمى قلبه.

ورغم كل هذا الزمن الطويل، الوردة التي في يده لم تذبل بعد.

هذا الرجل.. الذي، منذ ست سنوات، كانت هذه الرسامة الشابة قد رسمته في لوحةٍ تشكيلية، ثمَّ علقتها أمام باب غرفتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق