ترجمات

معجزة في الشرق الأوسط

الصورة: لاجئ سوري ينظر إلى الجبال من سطح كوخ في عرسال، لبنان. (لورنزو توغنولي/ واشنطن بوست)

تخيّل أن 125 مليون لاجئ يتدفقون نحو الولايات المتحدة (عدد السكان: 328 مليون). هذا هو ما جربه لبنان على أساس نصيب الفرد. منذ عام 2011، شهد هذا البلد ذو الـ 4 ملايين شخص تدفّق 1.5 مليون لاجئ فروا إليه من الحرب الأهلية السورية المجاورة. أحد الدبلوماسيين الغربيين الأسبوع الماضي قال لي: “أجد أنها معجزة أن هذا البلد لم ينفجر، لم تكن معظم الدول لتسمح بحدوث ذلك”.

هذا هو الكلب الذي لم ينبح [إشارة إلى ظروف وعوامل كامنة لم تظهر]، ربما القصة الأكثر إثارة للدهشة في الشرق الأوسط. لطالما كان لبنان على حافة الانهيار، بسبب الانقسامات بين السنة والشيعة والدروز والمسيحيين. في عام 1975، أدت القوة المتزايدة للاجئين الفلسطينيين إلى إرباك التوازن الطائفي الدقيق، وأدّت إلى نشوب حرب أهلية انتهت في عام 1990، عندما احتل نظام الرئيس السوري حافظ الأسد البلاد.

في عام 2011، عندما اندلع تمرد ضد بشار الأسد، ابن حافظ، لم يستطع لبنان البقاء منعزلًا. حزب الله، الميليشيا الشيعية، أرسل مقاتلين لإنقاذ النظام السوري الذي يهيمن عليه العلويون. (المذهب العلوي هو طائفة شيعية). انتقم المتطرفون السنة بهجمات إرهابية في لبنان. كان من السهل تخيل الحرب الأهلية السورية وهي تجتاح هذه الدولة المتوسطية الصغيرة. لكن هذا لم يحدث. لماذا؟

جزء من الجواب يتعلق بذكريات الحرب الأهلية اللبنانية. لا تريد أي من الجماعات الطائفية أن تسترجع هذا الكابوس. وعلى الرغم من أن الحكومة اللبنانية غالبًا ما تكون مُصابة بالشلل بسبب الجمود السياسي، فإنها استمرت في العمل، وعلى الأقل حين يتعلق الأمر بالأجهزة الأمنية، بفاعلية. وقد نسقت القوات المسلحة اللبنانية، بدعم من المعونة الأميركية، مع حزب الله، بدعم من المساعدات الإيرانية، في حملة تطهير الدولة الإسلامية ومقاتلي القاعدة من معاقلهم على طول الحدود السورية. لكن لبنان لم يكن من الممكن أن يتعامل مع تدفق اللاجئين لولا دعم الأمم المتحدة، ولا سيما دعم المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وكالة اللاجئين.

باسيل حجيري، رئيس بلدية عرسال، قال لي: “لو لم تكن المفوضية قد أخذت زمام المبادرة، لكان للأمر تداعيات كارثية”. يجب أن يعرف حجيري أن بلدته التي يبلغ عدد سكانها 40 ألف نسمة في سهل البقاع في شمال لبنان قد تدفق إليها 40 ألف لاجئ سوري. كما أصبحت عرسال قاعدة للجهاديين السوريين الذين روعوا السكان المحليين، قبل أن يواجهوا في النهاية في هجوم عسكري. شكّل الوافدون الجدد عبئًا شديدًا على البنية التحتية غير المؤهلة، وغير الكافية أصلًا، لا سيّما الكهرباء وجمع القمامة والإسكان ومعالجة المياه. كانت الدولة اللبنانية تفتقر إلى الموارد اللازمة حتى تتكيف مع الأمر، حتى في بيروت، تنقطع الكهرباء بانتظام. المفوضية، التي دعت مجموعة صغيرة من محللي السياسة الأميركية الأسبوع الماضي للقيام بجولة حول عملياتها اللبنانية، من صور في الجنوب إلى طرابلس في الشمال، شاركت في الأمر.

تساعد مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وشركاؤها في توفير السكن والرعاية الطبية والتعليم والغذاء، وفي بعض الحالات، دفع رواتب نقدية متواضعة للاجئين الذين يعيشون في فقر مدقع، حيث يعيش ثلثا هؤلاء على أقل من 4 دولارات في اليوم. لا توجد مدن مخيمات مترامية الأطراف هنا. يعيش اللاجئون في مبانٍ سكنية قديمة من بلوك، ومجموعات صغيرة من البنايات المحشوة على شكل خيامٍ، والمنتشرة في أنحاء البلاد. هذا يعني أنهم لن يصبحوا دولة داخل الدولة، كما فعل الفلسطينيون، لكن الحالة أيضًا تلقي بعبء مواكبة احتياجاتهم على كل بلدية.

من السهل انتقاد الأمم المتحدة وتهديمها، كما فعل الرئيس ترامب أمام الجمعية العامة في الأسبوع الماضي. هناك الكثير لنقده، من الإنفاق المهدور إلى الخطاب المعادي لإسرائيل. لكن في لبنان -الذي يملك أكبر عددًا، مع نصيب الفرد الواحد، من عمال الإغاثة في الأمم المتحدة في العالم- فإن المنظمة العالمية تؤدي دورًا لا يُقدّر بثمن في الحيلولة دون اشتعال النيران.

تراوح وكالات الأمم المتحدة الموجودة هنا بين وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، التي تدير 12 مخيمًا للاجئين الفلسطينيين، إلى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، وهي قوة حفظ سلام قوامها 11 ألف جندي، تعمل كعازل بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان. لم تكن أي وكالة أكثر أهمية في السنوات الأخيرة من المفوضية، التي أخذت زمام المبادرة في التعامل مع 5,6 مليون لاجئ فرّوا من سورية، في المقام الأول إلى الأردن وتركيا ولبنان، بالإضافة إلى أكثر من 6 ملايين نازح داخلي في سورية.

ستبقى هناك حاجة إلى المفوضية لسنوات قادمة. أعرب اللاجئون السوريون الذين قابلتهم عن رغبتهم في العودة إلى وطنهم في نهاية المطاف. ولكن حتى مع تضاؤل الحرب، ومع قيام الأسد بتوطيد سلطته بمساعدة روسية وإيرانية، فإن القليل منهم على استعداد للمخاطرة بالعودة الفورية. إنهم يخشون الاحتجاز في غرف التعذيب التابعة للأسد أو التجنيد الإجباري في جيشه الوحشي.

يمكن للولايات المتحدة تخفيف مشكلة اللاجئين، عن طريق استقبال المزيد من السوريين، لكن إدارة ترامب ترفض بشدة القيام بذلك. (العدد الإجمالي للاجئين السوريين من لبنان الذين سمحت لهم الولايات المتحدة بالدخول إليها هذا العام: واحد، حسب المفوضية العليا للاجئين). وفي حالة لم يحدث ذلك، فإن على الولايات المتحدة واجب أخلاقي واستراتيجي لدعم المفوضية والوكالات الإنسانية الأخرى. وعلى الرغم من المشاعر الانعزالية للرئيس، فإن واشنطن تواصل القيام بذلك: الولايات المتحدة كانت أكبر جهة مانحة للمفوضية في عام 2017. وبفضل دعم الحزبين في الكونغرس، من المرجح أن يظل هذا الدعم ثابتًا هذا العام. إنها أموال تنفق بشكل جيد للتخفيف من المعاناة ومنع التطرف بين اللاجئين، وتفادي تفكك الدولة اللبنانية الهشة.

اسم المقالة الأصلي A miracle in the Middle East
الكاتب ماكس بوت، Max Boot
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 3/10
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/a-miracle-in-the-middle-east/2018/10/03/a4cae540-c74a-11e8-b1ed-1d2d65b86d0c_story.html?utm_term=.6b04469f4416
عدد الكلمات 824
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق