هموم ثقافية

ومن الثقافة ما قتل

إذا سألني أحد اليوم: كيف تعلمت الإخراج المسرحي؟ فلن أستطيع الإجابة بسهولة!

ما أدهشني، وربما ساءني أيام دراستي، أن الأستاذ لم يلق علينا، خلال خمس سنوات من الدرس، محاضرة نظرية واحدة! كل ما تعلمته كان عن طريق النظر واللمس والممارسة.. وقد تبين لي، بعد أكثر من ربع قرن، أن المعرفة هي ما ينساه اللسان وما تتذكره الأصابع… وأن الثقافة العامة أو المثاقفة، لا تجعل من صاحبها مبدعًا! بل ستكون عائقًا أمامه، وهي ليست “معرفة شيء عن كل شيء”، كما قيل لنا أو كنا نظن؛ بل هي معرفة شيء محدد ومختص بمجال محدود.. لا أحد يعرف، أو يمكنه أن يعرف شيئًا عن كل شيء، وإن عرف، فهو لن يكون بحاجة إليه وجوبًا، إلا بما يساعده في إنجاز هويته الشخصية! الأَولى به أن يعرف كل شيء عن صنعته أولًا، أن يعرف أسرارها ويتقن صناعتها. فإذا كان العمل جوهر الإنسان؛ فالإتقان هو جوهر الإبداع، وليس المعرفة، على أهميتها، لأن المعرفة لدى المبدع تكمن في هذا الإتقان.

يقول سقراط، أحكم الناس وأكثرهم معرفة: كل ما أعرفه أني لا أعرف شيئًا… ومع أنه لا يتحدث هنا عن الإبداع، بل عن المعرفة، غير أنه نطق بلسان كل مبدع حقيقي! فمن الخطورة بمكان، أن تكون المعرفة عامة، نظرية، ومحض حشو للذاكرة، بمعلومات يمكن أن نتخفف منها، حيث بتنا نستطيع الحصول عليها “بكبسة زر”، عن طريق النت وغيره من المصادر المتاحة اليوم!

هذا ليس تشكيكًا في العارف أو في المعرفة، ولا تقليلًا من أهمية الذاكرة الموسوعية ومحتواها؛ فالثقافة العامة ضرورية دائمًا، لكنها قد تضيع وتضيّع صاحبها، وبخاصة المبدع؛ لأن المطلوب منه، ليس معرفة “كل شيء” عن تاريخ البشرية وعلومها وثقافاتها المتنوعة؛ بل تكريس هذه المعرفة في إتقان عمله الفني تحديدًا، سواء كان مسرحية أو رواية أو لوحة أو مقطوعة موسيقية.. إن النحات المبدع، أو حتى النجار الفنان، قد لا يملك معلومات كافية عن تاريخ الخشب ونشأته وأنواعه، لكنه –بموهبته وخبرته- يعرف جيدًا كيف يصنع من الخشب أبوابًا وأدراجًا وشبابيك جميلة مزخرفة وعملية! وقد يصنع من النفايات تمثالًا أو لوحة فنية، فيجمّل البشاعة ويكرس الجمال.. وهذا هو الأهم، حسب ظني. وفي المقابل، إذا كانت ثقافة الفنان “الخشبية” شاملة وموسوعية، يعرف أنواع الخشب وطبيعتها وخصائصها وعروقها، ومن أي غابة قطعت، ومتى وكيف؛ فلا فائدة من كل ذلك، إن لم يكن موهوبًا، أو إن كان عاجزًا عن تدوير هذه المادة وإعادة تكوينها وإنتاجها، في عمل إبداعي متقن؟ فما أكثر المبدعين الذين يتقنون الكلام والتنظير، ولا يتقنون إنجاز عملهم بشكل جيد!

يحدث هذا التناقض -عادة- بين الثقافة والموهبة، عندما تكون الثقافة نظرية، غير مختصة (أي هادفة)، فتتحول إلى ركام من لغو وكلام وتنظيرات، لا يمكن تحديدها أو صياغتها وتجسيدها! فالمعرفة شرط لازم من شروط الموهبة، لا شك في ذلك، لكنها غير كافية لإنجاز شغل متقن. إن الإتقان والمعنى شرطان لازمان للعمل الفني، ولا وجود لـ “إتقان عام” في الفن والإبداع؛ بل هو محدد وواضح ومجسد. فإذا كتبت قصة عن شخص ما؛ فعليك أن تتقن وصفه وتحدد هويته وطبعه، بمهنية عالية، وأنت إذا كنت مخرجًا مثلًا، وطلبت من الممثل أن يحزن، فلن يفعل، ولن يستطيع، ليس لأنه ممثل فاشل، بل لأن الحزن مفهوم عام وواسع. عليك أن تحدد ماهية وبطانة هذا الحزن. وأنت لن تصنع تمثالًا من حجر البازيلت إذا لم تكن تمتلك المعرفة الكافية والدربة اللازمة في معالجة هذا النوع من الحجارة الصلدة، ولن يكون هذا التمثال جميلًا، إذا لم يكن معرّفًا أو محددًا، أي أن يكون له هوية، وتكون وظيفته والغاية من وجوده مفهومة ومعروفة. فما أكثر المثقفين الأدعياء وأشباه الفنانين الذين يرتدون قناع “الإنسانية” و”الحب” و”الوطن” و”الشرف” و”المهنية”، وغيرها من المفاهيم العامة، وهم في الجوهر محض منافقين! وما أكثر المبدعين حولنا، الذين يتهافتون على نيل شهادات الدكتوراه في الرسم أو التمثيل أو الغناء أو الرقص…! ليغطوا فيها ضحالة موهبتهم وعجزهم عن إنجاز عمل إبداعي حقيقي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق