أدب وفنون

رائحة القهوة… وأشياء أخر

بعد أسبوعين من شفائه من نزلة البرد، تأكد أن الحالة ليست عابرة وأن الأمرَ جديٌّ، لقد فقد حاسّة الشَّم تمامًا! ليست هذه آثار نزلة البرد، زال الرشحُ وأزال في طريقه أهمَّ الحواس التي كان ينتظر تعاقب الفصول، وتعاقب الفتيات وعطرهن، لتسمو روحه مع بهجة امتلاكه الروائح التي يبثونها في الأثير حوله. حاسة لم يكن يتخيَّل فقدانها يومًا، ولم يكن ينقصه سوى خسارتها لتكتمل قائمة مصائبه.

لم يدرِ لماذا تخيَّل نفسه وحيدًا في حيٍّ من أحياء بلده، وكان الحيُّ يتلقى القذائف من الاتجاهات كلها، وتخيَّل أنه قد فقد حاسة السَّمع، بعد أن فقد حاسة الشَّم. تعجَّب من تناقض تخيلاته، يفقد حاسة الشَّم ثم يتخيَّل نفسه أصمّ أيضًا. نعم، إنها الحرب التي ابتعد عن أرضها، لكنها لم تتركه في مأمن من أهوالها، حتى في خياله. إنه أصمّ وسط القذائف التي تصمُّ آذان الآخرين، لا يسمع أصوات الانفجارات التي ستدفعه إلى الهرب أو الاختباء تحت طاولةٍ أو سريرٍ، فلا منقذَ له من القذائف سوى حاسة الشمِّ التي ستجعله يشمُّ رائحة البارود المنبعث منها، حين تفشل أذناه في أداء وظيفتيهما وتحذيره؛ لكي يُسرِع في الهرب، لكنه اكتشف أنه فقدها. يا للمصيبة التي لحقت بكائنٍ لا تسعفه حواسه للنجاة، إنه هالكٌ لا محالة.

أتت زوجته بالقهوةِ وبعض قطع البسكويت. لم تسبق القهوةَ رائحتُها، كالمعتاد، ولم يكن للبسكويت رائحته أيضًا. يتساءل: ما أنا الآن؟ وما الكائن الذي صرته؟! تفقَّد أعضاءه بيده وبنظره. سأل زوجته إن كان هنالك تغيُّرٌ في شكله أو حجمه أو لونه، نفت ذلك متعجِّبة ومتسائلةً بخوفٍ عن سببِ سؤاله.

سألته: “أعجبتك القهوة؟” ثم أردفت سؤالًا آخر: “هل لاحظتَ كيف تغيَّرت رائحتها بعد أن أضفنا الهيل إليها؟ أتعجَّب كيف يستسيغ جيراننا الألمان القهوة من دون هيل. قهوةٌ بلا طعم الهيل ورائحته التي تكملها هي قهوة ناقصة”. ماذا؟ هل قالت رائحة؟ هل للقهوة رائحة؟ وفوق ذلك هنالك رائحة للهيل معها! تذكر مأساته، ثم ارتشف رشفةً صغيرة من فنجان قهوته، مبتلعًا معها مرارةً كبيرةً وقفت في حلقه، ومؤجلًا إخبارها عن موضوع الرائحة.

“سأذهب إلى المطبخ لأكمل شرب بقية فنجاني مع سيجارةٍ”. “لا لا… ابقي هنا! يمكنك التدخين بقربي فلن أنزعج من رائحة الدخان”. “حبيبي! شكرًا لتحملك ولتضحيتك”. اعتادت أن تشرب فنجان القهوة على مرحلتين؛ حيث تخصه بالرشفة البكر في المرحلة الأولى، ثم تكمل شرب الفنجان مع تلك اللفافة التي تقول إن طعم القهوة لا يستقيم من دونها. المسكينة لا تعرف أنه لم يعد يشم أي رائحةٍ، ولا حتى رائحة الدخان التي كانت تزعجه. فليؤجل إخبارها بمرضه، وتعيش هي وهم تضحيته باستنشاق الدخان الذي لطالما اختلفا حوله؛ كونه يسبب التحسس لقصباته.

لا بدَّ من الذهاب إلى الطبيب، كفى انتظارًا، مضت ثلاثة أسابيع ولم يتغيَّر شيء. أصبح لكل الأشياء رائحة واحدة، إنها اللارائحة. عالم متشابه في انعدام رائحته، لا رائحة للزهور ولا للخبز الطازج ولا للزعتر. اختفت رائحة دخان السجائر وعوادم السيارات والعرق البشري النفاذ، لم يعد للأشياء رائحة، لقد بات طعم كل ما يتناوله واحدًا.

إنه أمرٌ غريبٌ، فكَّر في نفسه. ثم أكَّد الطبيب هذه الغرابة متعجِّبًا بقوله: إنها المرة الأولى التي أُواجه فيها حالةً كهذه. نعم سمعت عن فقدان بعض الأشخاص لحاسة الشَّم، لكنني لم أعاين واحدة طيلة فترة مزاولتي المهنة. كيف لك أن تواجه حالة كهذه وأنت طبيب عائلة ولست طبيبًا مختصًّا؟ تساءل في خلده.

يجبرك النظام الطبي في أوروبا كلها على أن تتدرج في استشارات الطبيب، حتى تصل إلى الطبيب المختص. تبدأ بطبيب العائلة الذي تلجأ إليه الحوامل فيحولهن إلى المختص بالحمل. ويلجأ إليه كل من يشكو ألمًا في صدره أو رجله أو من عصابٍ ووسواسٍ قهريٍّ. وحتى يصل إلى الطبيب المختص، تمضي أشهرٌ، وربما يموت المريض خلال هذه الفترة، أو تتفاقم الحالة لديه، وربما تنعدم فرص معالجة الحالة بسبب التأخر. تلك كانت حالته. بعد شهرين، وصل إلى الطبيبة المختصة التي كرَّرت الدواء الذي وصفه طبيب العائلة، والذي لم ينفع؛ حيث قالت له: “راجعني بعد شهر من آخر جرعةٍ”.

أخبره العم (غوغل) أن فقدان حاسة الشَّم يستوجب المعالجة خلال فترة الأشهر الثلاثة الأولى من المرض، وإلا؛ فسيكون الشفاء منه عسيرًا، إن شرع بالعلاج بعد انقضاء هذه الفترة. أخبر الطبيبة بذلك، فقالت له: “لا تصدِّق نصائح الإنترنيت!”. بالفعل، لم يصدِّق نصائح الإنترنيت، بل صدَّق الطبيبة، وعاد إليها بعد شهر ونصف، فطلبت منه إجراء تنظيرٍ للجهاز التنفسي حين اكتشفت فشل العلاج.

كان الموعد بعد ثلاثة أشهرٍ أخرى، في مشفًى يبعد مئتي كيلومتر من مكان سكنه. ثلاثة أشهر… مئتا كيلو متر… تنظير، مئتا شهر… ثلاثة كيلومترات… ودمعتان. قُضي الأمر، برودة طقس ألمانيا ونظامها الطبي أفقداه حاسة الشَّم. ليته بقي في بلاده يتنشق رائحة البارود، لكان ذلك أهون من المرارة التي ما عادت تفارق حلقه كلما تذكر رائحة ما، أو كلما طلب منه أحدهم تذوق طعم شيء ما، أو أراد أن يتمتع برائحة وجبةٍ أو عطرٍ.

في المقهى القريب من بيته، قال له جليسٌ: “سيستغرق الأمر منك إحدى عشرة سنة كي تستعيد حاسة الشَّم”، ثم أضاف: “أول رائحةٍ أدركتُها بعد مرضي كانت رائحة البنزين وروائح عوادم السيارات”. وحين همس له إنها في بعض الأحيان نعمة تقيك روائح الأشخاص الكريهة، أجابه: “وما العمل حين تدخل منزلك، فلا تشم رائحة الغاز إن كان متسرِّبًا؟”، عرف من انطباع كلامه على وجه الجليس أنه لم يفكر في هذا الأمر من قبل.

في أحد الصباحات التي سبقت إجراء التنظير، تناهت إلى أنفه رائحة القهوةِ. كانت رائحةً مغناجًا، تُقبِل مَرَّةً، لتُدبر مرّاتٍ. قرَّب الفنجان من أنفه؛ ليتأكد مما حدث، كانت رائحةً خفيفةً، سأل زوجته عن الأمر، فقالت له: “بالطبع، إنها تعبق بالمكان كله، من المطبخ إلى الممر إلى الغرفة التي نجلس فيها”. قرَّب قطعة بسكويت من أنفه، فكان الشيء عينه، رائحة خفيفة لكنها موجودة. ها هو يستطيع الشَّمَّ مجددًا. شرع يتشمم كل ما يقع تحت يده، بدأ بشعرِ زوجته وعنقها، انتقل إلى حبة ثومٍ وقطعة خبزٍ نبشها من كيس الخبز، لكنه لم يدرك رائحة أي منها. حاول تشمم رائحة الغاز ففشل. حاول بأشياء لا تخطر على بالٍ، لكنه فشل أيضًا. أمسك بصلةً فأدرك فيها رائحةً خفيفةً لكنها غريبة ليست كالرائحة المعتادة. جلس والعرق يتقطَّر من جسده كأنه خارج من سباقٍ، فكّر بتجريب رائحة العرق تحت إبطه، أحس برائحة البصل فيها، يا للغرابة!

مع الأيام، بدأ يحس ببعض الروائح، لكنه لاحظ أن روائح كثير من الأشياء تكاد تتشابه، على الرغم من اختلاف بعضها عن بعض. أحيانًا كانت الروائح تتراكم عليه في الزحام، فلا يدرك أيًّا منها، بل كان اختلاطها يصير كارثةً شميّةً تهلكه، فيسرع إلى الخروج من الشوارع المزدحمة أو يحاول تغطية أنفه بمنديلٍ. في إحدى المرات زار متجرًا لبيع العطور، اكتشف أن لكل الأنواع رائحةً واحدةً، يبدو أنها جوهر العطر الذي يُدخل العطارون إليه موادّهم، هي بمثابة التوابل التي تحدث الفرق فتتنوع الروائح. أدرك أن عطبًا حل به، إنها الحرب التي أعطبت وطنه، لا بد أنها لا تريد أن يفلت أحد من بلواها، حتى الذين هربوا من جحيمها والتجؤوا إلى بلدان أخرى لن يبقوا من دون عاهةٍ، تكون وشمًا على أجسادهم أو نُدبةً في أرواحهم.

  • اللوحة للفنان السوري بهرم حاجو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق