كلمة جيرون

اذكروهم قبل… لا بعد

كثيرون هم رجال سورية، وكثيرون هم وطنيوها العقلاء، أصحاب الضمير والإخلاص والحكمة، وأصحاب المبادئ التي لا تلين، والمواقف التي لا تُشترى، والأفكار التي لا تنضب ولا تخيب، ممن يضع الهمّ العام قبل الخاص، والوطن قبل العشيرة.

كثيرون هم رجال سورية، الذين ثاروا خلال ثورة عام 2011، بل وقبلها بكثير، قبل أن تُرفع أعلام الثورة الخضراء، ثاروا بأقلامهم وألسنتهم وضمائرهم وأعمالهم، ورفضوا القمع والعنف والقسوة والتمييز، وتحدّوا الجلاد في أصعب الأوقات، وعانوا وسُجنوا غير آبهين.

كثيرون هم رجال سورية ووطنيوها، الذين بقوا أوفياء لقضية الشعب المسحوق، وللإنسان المقموع، وللوطن السليب، وظلوا مخلصين لمبادئهم ومعتقداتهم، ولم يتلوثوا بمال فاسد مُرتهن، ولا بمشروع سياسي مراهق، ولا بتيار أو هيئة سياسية عابرة، وآثروا أن يبقوا وراء الكواليس، لم تغرِهم شهرة ولا رفاه ولا جاه.

ظُلِم أولئك مرتين: مرة من النظام الذي قمعهم وكمّ أفواههم وسحقهم، ومرة من المعارضة المُحدثة، التي همّشتهم وأبعدتهم واستولت على دورهم، وفي أحيان كثيرة شوّهت سمعتهم وسخّفت فِكرهم وغضّت الطرف عن نصائحهم.

أولئك موجودون في كل ميدان واختصاص، وفي كل زاوية وناصية، لهم إسهاماتهم الفكرية أو الثقافية أو السياسية أو العسكرية أو الأكاديمية، وإن إهمالهم ونسيانهم في حياتهم ذنبٌ لا يُغتفر، خسارة لا تُعوّض، وتركهم يُحرقون ببطء ويغيبون ويرحلون بصمت مشكلة أخلاقية وإنسانية ووطنية.

ولأن الصياد الماهر ليس من يرى الثعلب، بل من يصيده، فإن تذكّر هؤلاء والاستفادة من خبراتهم وعطائهم وتكريمهم وشكرهم في حياتهم، قبل أن نفقدهم، خيرٌ ألف مرة من أن نذكرهم بعد الرحيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق