أدب وفنونسلايدر

الإعلامي والمترجم اللبناني بسام مقداد: “من المبكر أن ننعي ثورة الشعب السوري”

"انتصارات روسيا في سورية مؤقتة إن لم نقل وهمية"

“لم تعد معرفة روسيا ترفًا فكريًا، إنما أصبحت معرفتها ضرورة، خصوصًا بعد أن دخلت إلى سورية عام 2015، وكشفت عن سياسة تتخطى بشاعة المقتلة السورية، إلى فرض وجود فاعل وطويل الأمد في منطقة الشرق الأوسط”. قال الإعلامي والمترجم اللبناني بسام مقداد، في ختام حواري معه الذي تم في العاصمة البلغارية صوفيا، وأضاف أنه يفكر منذ مدة في إنشاء “المركز العربي للدراسات الروسية”، لكن مشروعه لم يلقَ استجابة حتى اليوم من قبل الجهات العديدة التي عرضه عليها.

بسام مقداد أمضى حوالي ثلاثة عشر عامًا من حياته في الاتحاد السوفيتي (سابقًا)، درس العلوم الاقتصادية في جامعة لومونوسوف، وعمل في راديو موسكو، واشتغل مترجمًا في وكالة (نوفوستي) للأنباء، وفي (دار التقدم)، وكان متابعًا جيدًا يقرأ جميع الجرائد بما فيها افتتاحية (البرافدا) التي لا يقرؤها أحد، قبل أن ينتقل للعيش في موطن زوجته البلغارية، أوائل ثمانينيات القرن العشرين، كما ذكر لي حين سألته عن انطباعاته حول فترة دراسته الجامعية، وأضاف:

= ملاحظاتي حول الاتحاد السوفيتي لم تبدأ وأنا هناك، بدأت وأنا في بلغاريا مع طلائع البيريسترويكا عام 1985، التي كانت بإيحاء وقرار من المكتب السياسي، حينها صدرت مجلة (نوفي مير) الشهرية عن اتحاد الكتاب السوفييت، وأخذت أتابعها بالإضافة إلى مجلة (أغاليوك) الأسبوعية ومجلة (ليتراتورنايا غازيتا)، وكانت هذه المطبوعات تكتب عن جرائم ارتكبتها الشيوعية بحق روسيا وبحق كل شعوب العالم، وأول صدمة تلقيتها كانت حين قرأت في (ليتراتورنايا غازيتا) لأول مرة عن معاهدة ستالين هتلر التي أطلقت يد هتلر في الجزء الغربي من بولونيا، بينما أخذ ستالين الجزء الشرقي مع دول البلطيق.

بعد أن قرأت المقالة؛ صرت أبكي مثل الأطفال، وهذه الصدمة جعلتني أراجع كل ما تراكم في ذهني من تشوهات صنعتها آلة الإعلام السوفيتية، وصارت جرائم الشيوعية تتكشف أمامي تباعًا، وكانت بلغاريا من جملة الدول التي لحقها ما سماه الروس بـ “تحرير الشعوب”، أي احتلال الدول، ويذكر كتابٌ قرأته، وهو بعنوان (تاريخ روسيا في القرن العشرين)، أن الحرب العالمية الثانية هي حرب بين أيديولوجيتين قاتلتين: الشيوعية والنازية، وكان المتضرر الأساسي من هذه الحرب روسيا والشعب الروسي. والكتاب إصدار فذ في ثلاثة أجزاء، عمل عليه عدد من المؤرخين الروس برئاسة أندريه زوبوف، ويتناول المرحلة التاريخية منذ استلام القيصر نقولا الثاني حتى انتهاء فترة بوتين عام 2008، وهو أول محاولة حقيقية لنسف الجزء الأساسي من الأساطير التي ركبها الشيوعيون على روسيا في ظل حكمهم.

متى شعرت أنك تخلصت من إرث الشيوعية؟

= نفض إرث الشيوعية عملية تراكمية، بقدر ما تتضح الحقائق وتتضح الجرائم التي ارتكبها الشيوعيون؛ نسترجع وعينا البشري الطبيعي، وندرك حجم ذلك الخطر الذي لا يزال مستمرًا مع تأييد الروس لكل سفاح من العراق إلى سورية، وهذا طبيعي طالما أنهم يرفعون صورة ستالين، عنوان المقتلة، وهم أحفاده. وهو ما تحدث عنه كبار المفكرين الروس متناولين الخصائص النفسية للشعب الروسي، القادرة على تقبل هذه الجريمة، فروسيا وحدها من استطاعت أن تتقبل التجربة البلشفية، وأمضت 71 سنة من قبول العسف باسم الدولة، ومنذ نشوء الكيان الروسي كانت الدولة هي الأساس، وليس الإنسان، وحتى اليوم لا يطالب الروسي بحقه من الدولة.

ما الذي دفعك إلى ترجمة مذكرات ألكسندر فاسيلفسكي، قائد أركان الجيش الروسي إبان الحرب العالمية الثانية؟

= أنا لم أختر العنوان، كنت موظفًا في دار التقدم، وكان هذا هو الكتاب الأكبر الذي طُلب مني ترجمته أثناء عملي في الدار، وصدر عام 1980، وهو كتاب سوفيتي بحت عن شخص لم يكن على صلة بالبلاشفة، لكنه كان في الجيش الروسي، واستمر وترفع بالتراتبية العسكرية إلى قائد أركان، لم يكن شخصية فذة، كان مسالمًا، وكان له دور مهم في معركة ستالينغراد، وهو من قاد الحملة ضد اليابان.

لماذا قمتَ بترجمة مذكرات سيرجيو بيريا حول والده لافرنتي بيريا، قائد الاستخبارات السوفيتية، المتهم بقتل ستالين؟

= هناك روايات كثيرة حول قتل ستالين، وليس هناك ما يثبت أن لافرنتي بيريا هو من قتله. جاء بيريا من جورجيا، منطقة ستالين، واستلم لفترة جهاز الـ (كي جي بي) ثم المخابرات الخارجية، أي أنه لم يعد المسؤول عن القمع، وكان الشخصية الأقوى بعد ستالين في المكتب السياسي، وهناك الكثير من الأساطير حوله، ومن الصعب فرزها عن الحقائق، هذا يتطلب الكثير من الجهد، وهذا شرطه أن يُفرج عن المرحلة التاريخية التي قضاها البلاشفة في السلطة، وحتى اليوم لا يزال هذا الأرشيف مقفلًا، بعد أن فُتح لفترة وجيزة.

صدرت مذكرات سيرجيو عام 1994، وترجمتُها في عام 2003، وكانت في الحقيقة مرافعة عن والده وإعادة كتابة تاريخه، وللأسف في روسيا اليوم ثمة حركة تعتبر بيريا من الإصلاحيين الكبار، بينما تفوز شخصية ستالين بأكبر تأييد ممكن.

ماذا تحدثنا عن بردياييف وترجمتك لكتابه “فلسفة اللامساواة” الذي صدر بالعربية عام 2017 عن “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات”؟

= نيكولاي بردياييف مفكر وفيلسوف كبير، كان في بداياته من الماركسيين الشباب، ونفته السلطة القيصرية إلى سيبيريا، وحين عاد من منفاه عام 1903 لم يعد ماركسيًا، أصبح لاهوتيًا، عايش كل أحداث ثورة البلاشفة عام 1917، واعتُقل فترات قصيرة، وكان واحدًا من الفلاسفة الذين رحلهم البلاشفة عام 1922 على متن سفن أسموها (سفن الفلاسفة)، شملت أهم شعراء روسيا ومفكريها ومثقفيها. اتجه بردياييف إلى فرنسا، لأن أمه كانت فرنسية، وعاش في ريف باريسي حتى نهاية حياته، وكان من آباء الفلسفة الوجودية اللاهوتية، واشتهر بكتبه السياسية، لا سيما كتابه الفذ (الشيوعية الروسية).

ألف بردياييف كتابه (فلسفة اللامساواة، رسائل إلى قادة الثورة الروسية)، عام 1918، وأنا ترجمتُ نسخة الكتاب التي صدرت في برلين عام 1923، وتزامن صدور الترجمة مع مئوية الثورة البلشفية. وفي الكتاب لم يقم بردياييف بتسجيل الأحداث، لكنه ناقش جميع الموضوعات التي ارتكب البلاشفة باسمها جريمتهم في روسيا، وأولها المساواة والديمقراطية والثورة والدولة، ذلك من خلال أربعة عشر رسالة، كتبها بردياييف إلى خصومه قادة الثورة الروسية، أي لينين وكل مجموعته.

كيف تنظر إلى دور حكومة بوتين في قمع الثورة السورية؟

= بوتين وكل المجموعة الأيديولوجية التي تحكم الكرملين يعتبرون أنفسهم أنهم القيّمون والحريصون على القيم البشرية التي يدمرها الغرب بحضارته، وتاريخيًا، تدّعي روسيا الحفاظ على “تراث القيم البشرية”، ولهذا تولت قمع كل الثورات، منذ أن وصل الروس إلى سويسرا عبر جبال الألب، ودخلوا باريس حتى يقمعوا الثورة الفرنسية (1789)، بعدها لم تقم ثورة في القرن التاسع عشر إلا تولوا قمعها، باستثناء تلك التي قامت في ظروف كانوا فيها منشغلين بقمع الثورة عندهم، فهم لم يتمكنوا من قمع ثورة المجر (1848) لانشغالهم بقمع الثورة البولونية (1830) ضد الإمبراطورية الروسية، لذلك نستطيع أن نفهم لماذا تقبلت روسيا القضاء على ثورتها البرجوازية الديمقراطية عام 1917، وانقلبت عليها باسم الشيوعية.

ما تفعله روسيا اليوم في سورية هو في الحقيقة استمرار لدورها التاريخي في قمع الثورات، وما يفعله بوتين في سورية من مجازر يلقى قبولًا لدى الشارع الروسي، فمنذ عام 2015 لم تخرج تظاهرة واحدة في روسيا من أجل سورية، ولن تخرج، حتى المعارضة الروسية الأساسية لبوتين، بمن فيهم المعارض الكبير أليكسي نافالني، يرى أن ما تفعله روسيا في سورية هو عمل مشروع لتحرير الشعب السوري، والمعارض الروسي ميخائيل خودوركوفسكي هو الآخر ليس ضد تدخل روسيا في سورية. الديمقراطيون الليبراليون فقط، هم من يعارضون فعليًا الجرائم التي ترتكبها روسيا من قتل السوريين ودعم نظام الأسد، وهم فئة قليلة في المجتمع الروسي، وأكثر من يمثلها المؤرخ الكبير أندريه زوبوف الذي كتب في الذكرى السادسة للثورة السورية: “كم أشعر بالسوء لأننا ما زلنا نصبر حتى الآن على مغامرات نظام بوتين الدموية، وليس لنا من مغفرة أمام الله والشعب السوري”.

اقتصاد روسيا المنهك لا يسمح لها بشن الحروب، فكيف تفسر سياستها العدوانية واستقواءها على الشعوب الأخرى؟

= قدرات روسيا الاقتصادية لا تسمح لها بالحرب ضد أوكرانيا ولا ضد جورجيا من قبلها، لكن طريق روسيا لاستعادة عظمتها تمرّ عبر سياسة الحروب، وليس عبر سياسة الازدهار الاقتصادي، كما هي حال الصين، التي لا تزال دولة شيوعية، لكنها أضحت دولة عظمى بتطورها الاقتصادي من دون خوض الحروب، وهي حاليًا تتوسع على روسيا، وتستأجر أراض بمبالغ رمزية، وتستثمر في سيبريا الشرقية والشرق الأقصى، بينما الاستثمارات الروسية تهرب إلى الغرب.

الحروب هي الطريق الوحيد للرد على شعور الروس بالإهانة الكبيرة، إثر انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينيات. هذا الشعور الذي استغله جهاز (كي جي بي)، وركب موجته للوصول إلى السلطة. لكن الحرب في أوكرانيا لم تساعدهم في فتح حوار مع الغرب، بينما أتاحت لهم سورية هذه الفرصة، كما أن الفراغ الذي أوجدته الدكتاتوريات في الشرق الأوسط أفسح المجال أمام الطموحات الإمبراطورية، ليس للروس وحدهم، بل للإيرانيين وللأتراك أيضًا، فحين دخل الروس إلى سورية لم يجدوا جيشًا سوريًا، وجدوا مجموعات مقاتلة، كذلك الأمر حين دخلت أميركا إلى العراق عام 2003 لم يكن هناك جيش عراقي. الأنظمة الدكتاتورية لا تبني جيوشًا لتحمي سيادة الدولة، ولا تبني فكرًا سياسيًا ليحمي المجتمع، هذه الأنظمة لا تبني سوى الفراغ، وهو ما وجدته روسيا، لكنها غرقت في سورية، دخلت لمدة أشهر، ونحن الآن على أبواب السنة الرابعة، وكل الانتصارات التي أعلنتها أقلّ ما يمكن أن يُقال بشأنها إنها مؤقتة، إن لم نقل وهمية.

كيف تستشرف مستقبل المشروع الروسي حول إعادة الإعمار في سورية وعودة اللاجئين، هل سيلقى قبول الغرب ودعمه بالرغم من الأضاليل والفضائح التي اقترفتها قيادة الكرملين في العالم؟

= كان الروس يعتقدون أن الغرب سيقوم بإعمار ما هدمته طائراتهم، وأطلقوا برنامجًا كبيرًا ومراكز لعودة اللاجئين، في محاولة لابتزازه مرتين. فجزء أساسي من التهجير السوري كان مبرمجًا، ولم تكن مصادفة ضرب المدارس والمشافي والبنية التحتية التي تقدم خدماتها للناس، كان الروس يريدون تهجير أكبر عدد ممكن من السوريين، فيما كانوا يطلقون عليهم اسم “قبائل البرابرة” لتهديد الغرب، واليوم يعاودون الابتزاز بقضية عودة اللاجئين، يريدون أن يفرضوا حلًا سياسيًا بوجود الأسد، مقابل عجز المعارضة السورية عن تقديم بديل مقبول من العالم المتحضر، لكن التطورات الأخيرة في إدلب وحادثة سقوط الطائرة الروسية أفسدت مخططاتهم.

دخلت روسيا إلى سورية بتصور واحد هو الشيشان، والنموذج الشيشاني يقتصر على التدمير، وبالتوازي مع اتباعها لسياسة الأرض المحروقة في سورية، اجتمعت الكثير من الفضائح التي تدينها من تسميم سكريبال إلى الجرائم الإلكترونية، وهو ما يضعف موقفها وادعاءاتها ومصداقيتها لدى الغرب، وعلينا أن لا ننسى -أيضًا- أن البطريركية الأرثوذكسية الرئيسية في إسطنبول قررت مؤخرًا أن تمنح أوكرانيا استقلاليتها عن الكنيسة الروسية، وهذه ضربة موجعة لسلطة الكرملين وبوتين، ولمقولة “العالم الروسي”، التي تدعي أن (أي مكان يتواجد فيه أي روسي، هو جزء من العالم الروسي)، وبذلك فهي تشكل خطرًا كبيرًا على جميع الدول التي كانت سابقًا في الاتحاد السوفيتي.

إعلان الانتصار في سورية ليس فقط مبكرًا، إنما قد لا تصل إليه روسيا، ومن المبكر أن ننعي ثورة الشعب السوري. ربما يكون قد انتهى الشكل الذي انتفض به الشعب السوري على الخوف بداخله، لكن دماء الضحايا ستُنبت شكلًا جديدًا للثورة السورية، وقد يكون من الصعب تلمسه حاليًا، لكنه بالضرورة سيتبلور قريبًا؛ فتاريخ الثورات في العالم يثبت أنها صيرورة طويلة الأمد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق