سلايدرقضايا المجتمع

فصل الدين والعسكر عن الدولة والبقية تتبع

أثارت التسريبات، حول ما يسمى المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2018، الخاص بإعداد مشروع قانون جديد ينظم عمل وزارة الأوقاف السورية، أسئلة عديدة، وقبل الخوض في تسريباته واستباق إمكانية تحويله إلى قانون وما له وعليه، بادر السوريون -بكافة أطيافهم المعارضة والموالية- بنشر الهاشتاغ والوسوم واللوغو الخاص برفضهم له. والملفت للنظر وجود لوغو بذات الكلمات والشعار، مع تباين في العَلم المحمول عليه، مع شعارات: الدين لله والوطن للجميع، لا للإسلام السياسي، لا للمرسوم التشريعي رقم 16 الخاص بوزارة الأوقاف، مرة بالعَلم ذي النجمتين الحمراوتين، ومرة بالعَلم ذي النجمات الخضراء، وما يُمثل كل منهما من رمزيةٍ للنظام ولقوى الثورة.

ليس من المستغرب أبدًا أن يتم رفض الإسلام السياسي، من قبل كلا الفريقين الموالي والمعارض؛ لكون الفريق الأول، أي الموالي، آمن وصدّق وجزم أمره على “محاربة الإرهاب” و”حماية الديمقراطية والعلمانية” في سورية! فدفع الغالي والنفيس من حياته وحياة أبنائه، ووافق على تدمير المدن السورية وتهجير سكانها، وليس ذلك فحسب، بل حيّا روسيا، الدولة الشقيقة، بقيادة صدرها الأعظم بوتين في تحقيق هذه المعادلة، وكل ظنه أنه انتصر لـ “علمانيته” لـ “ديمقراطيته”، ولوجوده السياسي في دولة القانون والمؤسسات برعاية حزب البعث والجبهة الوطنية، ومن خلفها حزب روسيا البيضاء وهكذا، ليُفاجأ بمشروع كهذا يضرب كل طموحه ويعيده لنقطة البداية، ولسان حاله يردد: هل ضحكوا علينا؟ أم أنهم أدرى بمصلحتنا؟ أم لا بد أن نرفض الإسلام السياسي أصل البلاء والداء؟ وتقف كل الأسئلة عاجزة أمام مَن أفسح المجال لنموها، ومن غذّاها، ومن حوّل المسألة الوطنية السورية إلى موضوع تقاسم نفوذ دولي أولًا، وموضوع حرب بين أبنائها ثانيًا، وبالضرورة إلى نقمة وكارثة عامة!

بينما يذهب الفريق الثاني، المعارض، إلى رفض الإسلام السياسي، أصل البلاء والداء العضال، فهو السبب في “أسلمة” الثورة وتحويلها عن مسارها الوطني، وهو السبب والمحرك للعمل العسكري الوبال على الثورة والوطن. وهذا الإسلام السياسي ذاته كان -وما زال- صاحب نهج في البراغماتية النفعية، في اقتناص الفرص السياسية للوصول إلى سدة الحكم والسلطة، كما فعلها في مصر بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، ووصول الإخوان المسلمين إلى السلطة وقتذاك! وليس هذا فقط، بل شكّل شبح المرسوم صدمة لعشرات المنصات ومئات المنابر والأحزاب الديمقراطية، تلك التي راهنت على حل سياسي بعد القضاء على الإرهاب، والتي ما انفكت تكرر وتطالب بسورية دولة “علمانية مدنية عصرية”.

إن كان ثمة حسنة لهذا المرسوم؛ فهي توافُق السوريين هذا، أو بعضهم، على رفض الإسلام السياسي، ولكن ينسى الفريقان معًا، وربما يتجاهلان، خلفياته، فلكثرة الحساسية المفرطة منه، سها البعض عما خلفه. حيث يشير بعض المطلعين على بواطن الأمور وخفاياها إلى أن ثمة سيناريوهات عدة قد تكون خلف هذا التشريع المقبل:

  • أنه استباق سياسي، بمعنى “ضربة معلم حتى لو خطفها خطف”، لمشروع الدستور المزمع تشكيله من قبل الأمم المتحدة، عبر لجان ستيفان دي ميستورا، الذي يطرح في خطوطه العريضة دولة علمانية برلمانية، مع لامركزية إدارية وبصلاحيات رئاسية مخففة، مع إجراء انتخابات تشريعية للرئيس بعدها، وكأن العملية محاولة لشد الأصوات الإسلامية إلى ضرورة العبور من بوابة النظام ذاتها، والقبول بمحاولة مصالحتهم قبل أن تضمن الأمم المتحدة حقهم الانتخابي والترشيحي، فيعود النظام لبوابة الضامن قانونًا وبشكل محلي.
  • بينما يذهب فريق آخر إلى أنه يستهدف الوجود الشيعي، وترسيخ أطره في الحياة السورية بشكله الديني والمدني “المدني هنا اللا عسكري”، بعد أن تتم عملية فبركة خروج الفصائل العسكرية الشيعية من سورية، بطلب وإصرار إسرائيلي أميركي وتنسيق روسي، فيخرجون من الباب ويعودون من الشباك.
  • ويجازف أحد السياسيين في أنها صفقة تُرضي جميع الأطراف الإقليمية المتنازعة في سورية بكل تناقضاتها، الخليجية والتركية والإيرانية، ومردّ هذا كله قدرة النظام التاريخية على اللعب بمهارة على الحبال أجمع.

وربما وربما، وما لم يُطرح في هذا السياق أن الإسلام السياسي، بشقيه السني والشيعي، هو منتج السلطات الدكتاتورية أصلًا، وأحد أهم أركان بنائه، وحيث فنده خلدون حسن النقيب في كتابه (الدولة التسلطية في المشرق العربي) بأنها صورة عصرية عن تزاوج طبقة الضباط الحاكمة مع رجال الدين والتجارة المحليين، في صورة حكم تتكامل أركانه بالهيمنة العسكرية الأمنية والاقتصادية والدينية، في مركب مثنوي عريض عنوانه الاستبداد السياسي الديني، أصل الكارثة ومولد كل شرورها لليوم، وليس هذا فحسب، بل تصبح مقولة “علمانية” الدولة هي فصل الدين عن الدولة الذي تجسده مقولة وشعار الثورة السورية الكبرى: “الدين لله والوطن للجميع”، دون استكمالها بضرورة فصل الدولة عن العسكر، ووضع كامل القيود القانونية والدستورية الكفيلة بمنع العسكر من خوض اللعبة السياسية، تلك التي حولته إلى عقائدي التوجه، وحولت معه جماع أجهزة الدولة إلى مجرد أدوات تنفيذية لمصالحه ومطامعه في الحكم والسلطة.

قد يقول قائل: إن أي صفة دستورية، تتعلق بفصل الدين والعسكر عن الدولة، هي مقولة نظرية لا يمكن تطبيقها في الواقع السوري، وهي مجرد حبر على ورق لا تساوي كلفة طباعته، وذلك ما دامت أجهزة الحكم أمنية بامتياز، بتسلطها ودمويتها وتمسكها الصلف بامتيازاتها ومصالحها دون الشعب من جهة، والواقع المجتمعي المتردي الغارق في إسلامويته ومذاهبيته وسنيته وشيعته، لكن يتناسى الجميع أنه ما من حرب طال أمدها إلا ستكتفي ممن أشعلوها، وستستنفد بالضرورة معها المستفيدين منها، وتبحث في أوساطها المجتمعية المحلية، وأصحاب القرار الدولي فيها عن نقاط استناد استقرارها؛ ما يعني بالضرورة استبدال مولداتها، وهم العسكر والإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني؛ ما يعني بالضرورة وجود كامل المساحة المفتوحة أمام العمل السياسي الوطني، لأن يذهب باتجاه مفصل المسألة وجذرها، لا مجرد تسريبات وتلويحات هنا وهناك، ليست سوى مزيد من تجزيء المسألة الوطنية السورية واستحقاقاتها الضرورية، وإشغالها بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل، وإغراقها مجددًا في بحر من التناقضات والتأويلات غير المنتهية.

العسكر والدين السياسي هما أصل المشكلة السورية، وما الاستبداد الجاثم على صدور هذا الشعب إلا مصدره تلك الحالة الدستورية التي ولّت ضباط البعث العسكريين، كقادة للدولة والمجتمع، منذ 1963، واعتبرت الشريعة الإسلامية مصدر التشريع الدستوري الأساسي، وأجازت قانون الأحوال الشخصية للأقليات وفق دستور 1973، لتبقى تلك السلطة حاكمة على أساسها لليوم. وعلى ذلك؛ فإن موضوعية ومشروعية فصل الدين والعسكر عن الدولة أولًا، والبقية تتبع، هي ضرورة أولى قبل أي مرسوم أو مشروع يمكن نقاشه واستيفاء مبرراته وأهليته أو أحقيته من عدمه، وهو ما يجب أن تكرس له الآلة الإعلامية جهدها بالفاعلين فيه في المضمار السياسي المحلي وقدراتهم أيضًا في الساحة الدولية، وبالضرورة هي موضوعة العقد الاجتماعي الممكن للمرحلة المقبلة من سورية، ولزوم شرطها وما كفايته إلا تلك المنوطة بهذا الشعب الكليم، في الوقوف أمام استحقاقات وجوده وتطلعاته المهدورة لليوم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق