مقالات الرأي

إدلب والابتزاز الروسي في سورية

بلغت فاتورة سقوط النظام الليبي في روسيا نحو أربعة مليارات دولار كعقود أسلحة، وهي خسارة لا ترغب موسكو في تكرارها بسورية، حيث فاقت مستورداتها من الأسلحة الروسية بين عامي 2007 و2010 ما قيمته 4.7 مليار دولار.

وإذا كانت سورية مستوردًا أساسيًا للسلاح الروسي منذ ستينيات القرن الماضي؛ فإن مصالح روسيا في سورية تتجاوز كثيرًا عقود الأسلحة، إلى مجالات النفط واحتكار عقود الغاز، وبخاصة تلك المكتشفة في البحر المتوسط، إضافة إلى حاجة روسيا الاستراتيجية إلى موطئ قدم في المياه الدافئة للمتوسط، وقد تبنى الاتحاد السوفيتي السابق هذا المشروع، منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين ساهم في توسيع مرفأ طرطوس البحري، لكنه انتظر طويلًا حتى بداية عام 2017، ليأخذ صيغته النهائية عبر توقيع اتفاق بين روسيا ونظام الأسد الصغير، يقضي بتأجير قاعدة طرطوس البحرية لروسيا لمدة 90 عامًا، ويقضي الاتفاق باعتبارها خاضعة للقانون الروسي، وهذا ينطبق أيضًا على قاعدة حميميم الجوية بين محافظتي اللاذقية وطرطوس، أي أن روسيا امتلكت لأول مرة قاعدة بحرية دائمة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

بمعنى آخر: فرضت روسيا وجودًا عسكريًا دائمًا لها في سورية، هي بأمس الحاجة إليه في إطار الطموحات القيصرية لبوتين، الذي قال بداية عام 2013: “أود أن أؤكد مجددًا أن تطوير قوة بحرية قوية فعالة هو واحد من أولويات روسيا الرئيسية”، كي تستعيد دورها كقوة عظمى في العالم، وبشكل خاص في مواجهة ملتبسة مع السياسات الأميركية، وفي مواجهة المزيد من الصراعات الإقليمية.

لعل ذلك يفسر جزءًا مهمًا من استماتة الكرملين في الدفاع عن النظام السوري في وجه معارضيه، وتأمين استمراريته الوظيفية ولو بالحد الأدنى، وحمايته أيضًا في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث استخدمت روسيا حق الفيتو في مجلس الأمن 12 مرة، خلال السنوات السبع المنصرمة، ضد كل مشاريع القرارات التي تدين جرائم النظام السوري، أو تدعو لإحالته إلى محكمة الجنايات الدولية، أو تدين انتهاكاته لحقوق مواطنيه، وبخاصة في قضية استخدام السلاح الكيمياوي، ولمنع إصدار قرار يقضي بإنشاء آلية تحقيق مستقلة حول استخدام الأسلحة الكيمياوية في سورية.

حين تيقنت موسكو عام 2015 أن النظام السوري، على الرغم من تدخل الميليشيات المدعومة من إيران، بات قاب قوسين أو أدنى إلى السقوط، سارعت بتاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2015، بطلب من الأسد الصغير في دمشق، إلى المشاركة المباشرة في المعارك الدائرة في سورية، والتخطيط لها وقيادتها، وبشكل خاص عبر الضربات التي نفذها سلاح الجو الروسي، والقصف الصاروخي المدمر من البحر، مما ساهم في قلب موازين القوى في مواجهة الفصائل المعارضة التي لم تتمكن من تأمين أسلحة نوعية مضادة للطيران.

التدخل الروسي الذي صنع هذا الانتصار، توقف مؤخرًا أمام استحقاق المرحلة الأخيرة من مناطق خفض التصعيد في إدلب، وهو غير معني بكل المبررات الإنسانية التي يجري الحديث عنها في المحافل الدولية، لكنه معني بدرجة ما بالتوافق مع حليفه الجديد أي تركيا، حيث جاء اتفاق سوتشي بينهما بتاريخ 17/ 9، ليعكس أزمة الطرفين من جهة، وليعكس حاجتهما إلى توافق في مواجهة المشاريع الغربية، وفي مواجهة صلف إدارة ترامب، وفي مواجهة أزماتهما الاقتصادية أيضًا.

لذلك جاء الاتفاق بصيغة عمومية، وإن نجح في تأجيل معركة إدلب، لكنه لم يقدم صيغة حل سياسي للأزمة المعوّمة فوق براكين من التناقضات الإقليمية والدولية، وليس أدل على ذلك من تصريح وزير خارجية موسكو سيرغي لافروف بأن “الاتفاق خطوة مرحلية وليس حلًا نهائيًا”، مضيفًا أن الاتفاق يقضي بانسحاب جميع مسلحي “جبهة النصرة” من المنطقة منزوعة السلاح، حتى منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، أي بعد أقل من أسبوعين، فيما قال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف: “إن هذا الإجراء مؤقت، مثلما كانت باقي مناطق خفض التوتر التي أقيمت في إطار اجتماعات أستانا 4 إجراءات مؤقتة”.

يبدو أن تركيا التي تعاني من عقدة تثبيت بالنسبة إلى موضوع الأكراد، إضافة إلى أطماع توسعية، تطمح إلى جعل هذا الاتفاق دائمًا، أسوة بمنطقتي (درع الفرات) و(غصن الزيتون)، لكن ذلك يبقى محط خلاف مع روسيا والنظام السوري الطامح لاستعادة سيطرته على كامل الجغرافيا السورية، علمًا أن روسيا تؤيد مبدئيًا هذه الاستعادة، بما يشمل المؤسسات والوجود العسكري أيضًا، والإشراف على طريقي حلب/ اللاذقية وحلب/ حماة، بعد فتحهما. كل هذا يُضاف إلى خلافات أخرى بين طرفي الاتفاق، حول تحديد المنطقة العازلة، ومصير المتطرفين الأجانب أو السوريين ممن يرفضون الاتفاق، وآلية الفصل بين القوى والعناصر الجهادية المتطرفة أو تلك القابلة ببنود الاتفاق، وصلاحيات الدوريات المشتركة الروسية والتركية في المنطقة العازلة.

الموضوع الآخر المتعلق بالمدة الزمنية لتسليم السلاح الثقيل في العاشر من هذا الشهر، أو للتخلص من الإرهابيين رافضي الاتفاق بحدود الخامس عشر منه، وآلية التعامل معهم، خاصة أن أغلب الجهاديين غير السوريين ترفض بلدانهم فكرة استعادتهم، كما تكمن دون ترحيلهم إلى مناطق الإدارة الذاتية التي يسيطر عليه الأكراد كثيرٌ من الصعاب، وفي حال فشلت تركيا في حل تلك المعضلة، هل تصبح غارات الطيران الروسي مشروعة لاستئناف ضربته المؤجلة على إدلب وتوابعها في أرياف حماة وحلب واللاذقية؟

استبقت روسيا الموضوع بالرهان على قبول أميركا والدول الغربية لمشروعها بخصوص إعادة الإعمار في سورية، كآلية لاستعادة ما أنفقته في حربها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لكن في حال أصرّت هذه الأطراف على ربط الموضوع بالانتقال السياسي، كما جاء في ورقة المجموعة المصغرة بقيادة الولايات المتحدة التي تنص على أن “لن يكون هناك دعم للإعمار في سورية في مناطق سيطرة الحكومة، من دون عملية سياسية ذات صدقية، تؤدي إلى إصلاحات دستورية وانتخابات بإشراف الأمم المتحدة وتحظى برضا الدول المانحة”، وهو ما رفضته موسكو باعتباره تسيس لقضية إنسانية!

بالمقابل، يؤكد المبعوث الأميركي الجديد إلى سورية جيمس جيفري أنه “لا يمكننا العمل مع أحد لإخراج الإيرانيين من سورية سوى الروس، فالولايات المتحدة لن تستخدم قوة عسكرية لإخراج الإيرانيين من سورية”، لكنه لم يفصح، أو لعله لم يفكر، في ما عساه أن يقدم مقابل ذلك لروسيا؟

حيث يبدو أن القيصر يطمح إلى الاستحواذ على كل شيء في سورية، مع الاعتراف بمصالحه الكثيرة خارج سورية أيضًا، وإلا؛ فسيكون السيناريو الأسوأ الذي يهدد به، لتقسيم سورية إلى ثلاث مناطق نفوذ، كما نقلت شبكة (غازيتا رو) الإعلامية في موسكو، حيث بدأت تمهد بالحديث عن “أمر واقع تبلور في سورية، حيث غدت البلاد مقسمة عمليًا إلى ثلاث مناطق نفوذ”.

وبحسب الصحيفة، فإن “إيران لن تنسحب أبدًا من سورية، وكلما زادت الضغوط عليها؛ ازدادت رغبة طهران في الحفاظ على وجودها العسكري في سورية، وكذلك في مناطق أخرى من الشرق الأوسط”.

هذا التضخيم لتمسك إيران بسورية، مقابل بسط تركيا سيطرتها شبه الكاملة في الشمال، يدفع الصحيفة إلى الاستنتاج بأن “الوضع الراهن يعكس تقسيمًا فعليًا لسورية إلى ثلاث مناطق نفوذ على الأقل”، فتكون “المنطقة الواقعة شرقي الفرات منطقة نفوذ أميركي. فيما محافظة إدلب وبعض مناطق الشمال منطقة نفوذ تركي، رغم الاتفاقات بين رئيسي روسيا وتركيا. وكل ما تبقى هو منطقة نفوذ إيران، وبالتالي قوات بشار الأسد الحكومية”.

دعونا نلاحظ أن القيصر أخرج نفسه من هذه القسمة، فهو ماض في لعبة ابتزاز المجتمع الدولي، ولذلك لا يريد أن يتخلى عن إيران قبل أن يضمن كل الثمن الذي يريده في سورية وخارجها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق