أدب وفنون

القوة النسائية في تونس.. أكثر من ثورة

“علّمنا التاريخ أن الثورات تدفع بالشعوب إلى الأمام”. هذا ما كتبته مجموعة من نساء تونس في كتابهن “تونسيات ومسار الثورة”.

بقدر ما تبتعد الثورات عن الحاضر؛ يسهل استحضارها في لحظة مصيرية تغيّر مسار التاريخ، وتبدع حاضرًا ينبئ بمستقبل شعبٍ كافح للحصول على الحرية والديمقراطية وسيادة القانون، فلا يمكن لأي شخص يساند الديمقراطية والحرية والمساواة، إلاّ أن يسمي ما حصل في تونس بـ (الاستثناء) عما يحصل في العالم العربي، وما حصل في ثورات ربيعه البائس.

لم تحصل المرأة التونسية على المساواة مع الرجل في الحقوق المدنية والسياسية بين ليلة وضحاها، إنما نتيجة عملية كفاحية طويلة، منذ تأسيس الاتحاد القومي النسائي عام 1956، وقد انتشرت فروعه الجهوية والمحلية والقاعدية في كافة أنحاء البلاد، وشاركت في تعبئة كل القوى النسائية للمساهمة في بناء الدولة التونسية الحديثة، وطالبت بحقوق المرأة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان.

ركّز الاتحاد أنشطته على تنظيم الحملات الوطنية التوعوية الميدانية في مختلف أنحاء الجمهورية، لتبصير المرأة بدورها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتوعيتها سياسيًا، ما مكّنها من كسب حقها في التصويت والترشيح، بعد تأسيس الاتحاد بثلاث سنوات. ثم انخرطت المرأة التونسية في ثورة 14 ديسمبر 2011 لتؤكد دورها الفعال في صناعة القرار، ولم تقتصر مشاركتها في الثورة على فئة معينة من النساء؛ إنما جمعت كل الشرائح النسائية من متعلمات ومثقفات وعاملات وعاطلات عن العمل وفئات شعبية أيضًا.

تنم تلك المشاركة عن الوعي المنفتح على المستقبل المؤَسس عند النساء منذ زمن ما قبل الثورة، تقول الاختصاصية الاجتماعية سنية بن جميع العماري ما مؤداه: “الخطاب السياسي في تونس خطاب ذكوري، لكن العمل الميداني للمرأة التونسية كان أقوى من كل الخطابات النظرية”، قد كان الأمل ضئيلًا لدى التونسيات في حصولهن على المساواة المدنية بالرجال، لكن السبر الاجتماعي التي أجرته المرأة خلال الثورة في العمل على الأرض، نفى تلك النظرية وتحقق الأمل نتيجة العمل، فقد كشفت التجربة التونسية عن الفكر الجمعي المنفتح في المجتمع التونسي، على الرغم من المعوقات التي واجهتها تلك التجربة الرائدة في تاريخ العالم العربي، (الاجتماعية منها والسياسية)، لكن مسألة الوعي والتحدي للسائد والمألوف، تخطت كل المعوقات، وذلك لأن الفكر الاجتماعي قريب من الفعل الثوري، يتجاوز “الفردانية الضيقة”، وحسب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، “يُعتبر الفعل الإنساني اجتماعيًا بما أن الفرد أو الجماعات تقوم به؛ تمنحه دلالات ذاتية تأخذ بعين الاعتبار سلوك الآخرين”.

على الرغم من ردات الأفعال الشعبية المعارضة للقوانين التي أصدرتها الحكومة التونسية، التي تساوي بين المرأة والرجل، وعلى وجه الخصوص، الأوساط الإسلامية في تونس، التي اعتبرت تلك القوانين معارضة للشريعة الإسلامية، فإن القوة النسائية شكلت ضغطًا عمليًا وجماهيريًا على الإرادة السياسية وجعلتها تستجيب لمطالبها. والجدير بالذكر أن المعارضة كانت أشد وأقوى في أوساط الدول العربية والإسلامية، وقد اعتبرها مفتي الأزهر دولة غربية كافرة، لا يحق لها أن تكون ضمن الدول الإسلامية ولا الدين الإسلامي! تُرى ما الذي يجعل المنظومة الدينية والمنظومة السياسية في العالم العربي تتوجس من مساواة المرأة بالرجل، من حيث الحقوق المدنية والسياسية، (حقوق الإنسان) بشكل عام؟

التسلط والاستبداد عنوان عريض تعمل على تكريسه في ذهنية المجتمعات السلطتان: السياسية والدينية، فتلتحق بهما السلطة الاجتماعية، فتعيد مجتمعةً إنتاج التخلف والظلم وسلب الإرادة الحرة من الأفراد، بهذه الطريقة تكفل السلطة ضمان هيمنتها القمعية على المجتمع، فالمساواة بين المواطنين والمواطنات، هي العتبة الأولى للدخول في حيّز الحرية والاستقلال الذاتي والانعتاق من (المحرمات) الدينية، والمقدسات السياسية، فإمكانات النمو الفكري والتفكير الحر، وإمكانات التحول الديمقراطي، لا يمكن إلاّ أن تكون عقبة فعلية أمام استمرار التسلط والاستبداد، لذلك، كل تقدم أو تطور في حالة مجتمع من المجتمعات المحكومة بهاتين السلطتين، يُعتبر مخالفًا لقوانينها التسلطية، وخطرًا يهدد مصالحها الشخصية، فلا يتوانى الشيخ عن تكفير تلك المجتمعات، واتهامها بالغزو الفكري الغربي، ولا تتوانى السلطة عن اتهامها بالعمالة الغربية وخيانتها للهوية القومية العربية، ولا يتوانى المجتمع -أيضًا- عن إطلاق سمة “الانفلات” على المجتمع المنعتق، خوفًا على هرميته وأبويته من الانهيار والتفكك.

المساواة الكاملة تعني المواطنة الكاملة، تعني الحرية والعدالة في الفضاء العام الذي يفضي إلى الإنسانية الكاملة، وهذا ما لا ينطبق على الأنظمة الديكتاتورية ولا على قوانين السلطة الدينية وتابوهاتها.

لم تُطبع الثورة التونسية بالطابع السياسي أو الديني، إنما كانت ذات طابع شعبي سلمي ناجح، ومشاركة عامة من النساء والرجال، فكان دور المرأة جليًّا ومدعومًا من الكتّاب والمثقفين الرجال، يقول الأحمر المولودي: “… كانت المرأة شهيدة وأم الشهداء ومغتصَبة وناقلة للخبر، في الشبكة الاجتماعية التفاعلية، منسقة للمسيرات ومتهكّمة على رموز النظام… ولم تشعر امرأة واحدة بأنها شخص غير مرغوب فيه: في غير موقعها، وأن الفضاء العمومي/ الافتراضي لا يتحمل وجود النساء”.

هذا الدور الرائد الذي لعبته المرأة التونسية، والذي يُعتبر امتدادًا لأدوار أخرى على مر تاريخها النضالي، إلى جانب الدعم الشعبي والنخبة المثقفة، جعل الإرادة السياسية تمتثل للإرادة الشعبية الحرة ولريادة المرأة في المجتمع، بل تفخر بها وتضعها في مكانها المناسب في الدولة والمجتمع، وفتحت أمامها خيارات عدة في الحرية وتقرير المصير في الحياة العامة والخاصة، علمًا بأن المرأة التونسية قد تخطت الشريعة الإسلامية في إلغاء قانون تعدد الزوجات الذي أصدره الحبيب بورقيبة عام 1956، وقد واجه –بدوره- معارضة عربية كبيرة ولا يزال حتى الآن، ومن المستهجن أن المعارضة الأكثر حدةً كانت من النساء في العالم العربي، بذريعة الأكثرية النسائية وعدم انتشار ظاهرة ما يسمينه عنوسة، بيد أن المرأة التونسية لا تعترف بوجودها إلاّ من خلال ذاتها، وليس من خلال تبعيتها للرجل أيًا كان، وهذا ما ردت به الإعلامية جميلة الشيحي على الصحافية المصرية منى أبو شنب، قبل إصدار القانون التونسي الجديد، حيث كتبت منى أبو شنب: “… في تونس ثلاثة ملايين من الفتيات العانسات، وتصدرون قانونًا يقضي بعدم تعدد الزوجات، ما هذا الهراء”؟ وتقول جميلة الشيحي: “ما تعتبرهن عانسات هنّ فلاحات وعاملات وفنانات وقائدات طائرات ومغنيات وممثلات ومعينات منازل ومحاميات وطبيبات”. يبقى السؤال قائمًا هل تحتاج حرية المرأة وتقرير مصيرها إلى كل هذه المعارضة، من النساء قبل الرجال، أم أن المرأة اعتادت التبعية، وأصبح الانعتاق منها أمرًا يصعب عليها قبوله قبل تحقيقه؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق