تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

روسيا داعيةُ حرب بثوب راعي سلام

صادف يوم أمس (الأحد) الذكرى السنوية الثالثة لتدخّل روسيا، أبرز حلفاء الأسد، في حرب سورية بشكل مباشر، التدخل الذي جاء لدعم النظام السوري وإسعافه ومدّ عمره، ومساعدته في قمع السوريين وإعادة السيطرة على المناطق التي تخضع لسیطرة مقاتلي المعارضة السورية والفصائل المعارضة للنظام عمومًا، وقد تمكنتْ روسيا، خلال هذه السنوات الثلاث، من تعويم النظام سياسيًا في المحافل الدولية، على حساب دماء الشعب السوري ومعاناتهم وتشردهم، إلى جانب بقاء عشرات الآلاف في سجونه يُعذّبون ويُقتلون.

لم تتوان روسيا، خلال السنوات الثلاث الفائتة، عن دعم النظام السوري بالسلاح وبالمقاتلين الذين تجاوز  عددهم، وفقًا لوكالات روسية، 63 ألف عسكري، ساهموا في قلب المعادلة لصالح الأسد ولصالح قاعدتها (حميميم)، التي أُخذت بعد اتفاق مع الأسد، من دون مقابل، إلى أجل غير مسمى، لتتحول إلى قاعدة عسكرية حقيقية.

استعرضت روسيا من خلال تدخلها في سورية، وعلى حساب الشعب السوري المحكوم بالاضطهاد والظلم، جميعَ أنواع أسلحتها الفتاكة التي يُقدّر عدد أنواعها بـ 231 نوعًا، منها الطائرات والغواصات الحديثة والدبابات المدرعة والسفن الحربية وبطاريات الصواريخ العابرة للقارات، وخلال هذا الاستعراض شنّت طائراتها -بحسب رصد إنفوجرافي مُصوّر- منذ بداية تدخلها حتى تطبيقها العام الثاني، أكثر من 71 ألف غارة جوية، أي بمعدل 130 غارة يوميًا، مُرتكبةً بذلك 375 مجزرة، خلفت أكثر من 7.928 قتيلًا مدنيًا، بينهم آلاف الأطفال ومئات النساء، إضافة إلى توثيق (الشبكة السورية لحقوق الإنسان) وقوع 125 غارة بالأسلحة الحارقة، و232 غارة بالأسلحة العنقودية، كما أنها ارتكبت 321 مجزرة، وقامت بـ 954 حادثة اعتداء على مراكز حيوية مدنية، وعلى الرغم من ذلك كله، ما زالت تُصرّ، من خلال المؤتمرات الدولية، على أن تذرّ الرماد في العيون، وأن تُظهر نفسَها دولة داعية للسلام!

الأخطر من ذلك، خطر التغيير الديموغرافي الذي كان من النتائج الخطيرة لهذا التدخل، حيث اضطر 2.7 مليون من المدنيين السوريين إلى النزوح، من مناطقهم إلى مناطق أخرى أكثر أمنًا، لا سيّما بعد عقد الاتفاقات اللا إنسانية مع الفصائل المقاتلة في المناطق الساخنة، الأمر الذي أفرغ هذه المناطق من سكانها الأصليين، ليعيشوا كـ “نازحين”، ومن ثم كمقيمين دائمين في مناطق أخرى.

بدعم روسيا حليفها الأسد؛ تحوّلت كفة الصراع لصالح النظام السوري، لیستعد مؤخرًا للإعلان عن غايته في شن هجوم على إدلب، آخر معاقل المعارضة المسلحة، حيث يعيش نحو ثلاثة ملايين سوري، وعلى الرغم من أن عام 2018 شَهِدَ نسبة أقلّ من الجرائم الروسية والمجازر والغارات، فلا ننسى أن روسيا تسببت في أكثر من 15 ألف حالة نزوح، على أقل تقدير، خلال هذه السنة.

تحالفت روسيا مع تركيا، مع أن الأخيرة تكنّ العِداء للنظام السوري، انتقامًا من مفاوضات جنيف، ولتحويل الأنظار عن بيان جنيف الأول المتوافق عليه دوليًا. ولكي تبرر ما تفعله وترتكبه من مجازر بحق المدنيين العزل في سورية؛ ذهبت إلى إقرار محادثات أستانا، لتتوجه بعدها إلى سوتشي، ولعل رغبتها في أن تظهر كـ “راعٍ” للسلام، جعلتها تُدخل مناطق خفض التصعيد ضمن مشاريعها، ولم تلبث أن انتهكتها هي، وارتكبت مجازر، مبررةً ذلك بعدم التزام المعارضة والفصائل المسلحة بالهدنة، ونجحتْ في تحويل وجودها الموقت بداية 2015 إلى وجود ثابت، كشريك صادق للأسد للعام الثالث على التوالي.

مع حلول ذكرى دخول روسيا الحرب في سورية، ولتخدع روسيا العالم وتحاول إقناعه بأن نياتها حسنة، دعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، يوم الجمعة الماضي، المجتمعَ الدولي إلى المساعدة في إعادة إعمار سورية، من أجل السماح لملايين اللاجئين بالعودة إلى بلادهم، وأشار إلى أن “الحوار الوطني السوري الذي بدأته روسيا وإيران وتركيا، في كانون الثاني/ يناير، أدّى إلى قيام الظروف للتوصّل إلى حلّ سياسي”، مؤكدًا أن “تحقيق هذا الهدف الذي يصبّ في صالح جميع السوريين، يجب أن يصبح أولويّة للجهود الدولية وأنشطة وكالات الأمم المتحدة”، على الرغم من غياب الحل السياسي الذي يُدرك العالم أن لن يكون هناك حل مستقر وثابت وآمن في سورية، من دونه.

بالمقابل، تؤكد المراصد الحقوقية أن روسيا داعية حرب لا سلام، وتدين تورطها في سورية بجرائم حرب، وتُشدد على ضرورة إيجاد حل عادل للقضية السورية يستند إلى الفصل السابع، الذي يُرغم روسيا على المضي بمسار متوافق عليه دوليًا، ويحفظ حقوق السوريين المتضررين منها ومن النظام، وتطالب النظامَ الروسي بفتح تحقيقات في الحوادث الواردة في التقرير، وإطلاع المجتمع السوري على نتائجها، ومحاسبة المتورطين، وتعويض المراكز والمنشآت المتضررة كافة، وإعادة بنائها وتجهيزها من جديد، وتعويض أُسر الضحايا والجرحى الذين قتلهم النظام الروسي الحالي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق