تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الاقتصاد لن يكون مدخلًا للتسوية في سورية

ما زال مستقبل النظام السوري قابلًا للنقاش، في أكثر الحالات العربية والدولية، حيث يتركز نقاش اليوم حول قابليته للبقاء، وقيادة المجتمع الذي يزعم الأسد وحلفاؤه أنهم استعادوا السيطرة عليه مجددًا. وإذا كانت شرعية النظام تتمحور في الولاء له، بشكل الإخضاع الذي شهده المجتمع السوري، عبر حلقات التدمير المنهجي، وهو الأصل في نشوء شرعية النظام القائم؛ فإن هشاشة شرعيته ومنظومته العسكرية والاجتماعية والاقتصادية ظهرت، على وجه محدد وفاقع، أثناء الثورة طوال الأعوام الماضية، في ضعف ولاء “المجتمع” للنظام الذي شكّل صورته المرئية أمام مجتمعٍ تلتصق لديه صورة النظام القائم بأجهزته القمعية ثم القاتلة والمدمرة.

يعني ذلك، في ما يعنيه، أن النظام القائم لا يمكن اتخاذه معيارًا لبناء مجتمع سوري، هو بالأصل مثخنٌ بجراح عميقة، يضاف إليها ملايين الأسباب التي تنسف مجرد التفكير باستمرار عمله بعيدًا عن عكاكيز الاحتلالين الإيراني والروسي، حيث يُظهر شكل النظام الحالي، بعد عمليات الدمار الواسع، أن سُلطته المرتفعة على رقاب السوريين لن تتورع عن الاستمرار في ممارسة الإرهاب المنظم والعشوائي. وإن عمليات الاعتقال المستمر لعشرات الآلاف، وتسريب مماثل لآلاف القتلى، تجعل السوريين في مواجهة مستمرة للتخلص من النظام والكشف عن جرائمه، الدك المستمر لشرعية استمرار النظام ونزعها، هو من العوامل المهمة في برامج عمل السوريين.

إكثار الحديث عن برامج “إعادة الاعمار”، من قبل موسكو وطهران، يهدف إلى تغطية الإرهاب والدمار، في استخدام قنابل دخانية عن الدستور والانتخابات والإعمار، من أجل تهيئة الهيمنة التامة على المجتمع السوري. من حيث المبدأ، هناك مئات الأسباب التي تمنع نظام الأسد الاندماج مجددًا في المنظومة الإقليمية والدولية، وكل محاولات التطبيع معه تهدف إلى تحقيق أهداف جديدة بسرعة صاروخية، تأملها موسكو وطهران، لكن حجم الجرائم يمنعهم من تحقيق هدف تثبيت النظام.

النظام الذي يعلن سعيه الصريح لبسط قوته وفاشيته مجددًا على كامل المجتمع، يهدف إلى ضمان استمرار وظيفته الإقليمية والدولية، وتحويل المجتمع إلى أداة طيّعة بيده، وهذا ما يدفع بالسؤال مجددًا حول أسباب سعي المجتمع الدولي، عبر موسكو وطهران، لتحويل النظام إلى مركز جذب استعماري في المنطقة، تحقق جزء منها في الاحتلالات المتعددة للجغرافيا السورية، وفي إطار النقاش الذي يجري من باب طرح مشاريع إعادة الإعمار، والتركيز عليها.

يطرح بعض المطبعين العرب مع النظام في دمشق فكرة أن لا خوفَ على السوريين في ظل إعادة سيطرة الأسد على المجتمع، بذريعة مكافحته للإرهاب، لا إنتاجه. هذا الطرح المشبوه يحاول أن يخفي حقائق ساطعة، هي أن بطش النظام يكمن في إمداداته العضوية خارجيًا، عبر تدفق المال والسلاح إلى جانب القتلة المأجورين الذين وفرتهم له قوى الاحتلالين الروسي والإيراني.

إن نظرة سريعة إلى مسار وتطور جرائم النظام على المجتمع السوري، منذ بدايته حتى اندلاع الثورة وما تخللها من جرائم، تشير إلى استحالة المضي قدمًا بالبحث عن مشاريع استشفاء للمجتمع السوري، في ظل الحديث عن تسويات تفرضها قوى الاحتلال على السوريين، تحت سقف الأسد ونظامه؛ لأنها تشكل مدخلًا لإعادة الهيمنة على السوريين، وذلك مطمح ومطمع القوى الداعمة للعملية السياسية وإعادة الإعمار بوجود واستمرار النظام.

ترجمة التسوية السياسية في سورية، إلى مفهومها الاقتصادي بإعادة الإعمار، والتطبيع والحديث عن فتح المعابر مع دول الجوار، أو هرولة بعض النظم العربية نحو نظامٍ قلب موازيين المجتمع السوري رأسًا على عقب، تهدف إلى احتواء المجتمع مقابل احتواء جرائم النظام، وفرض وقائع اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية تعرقل مستقبل السوريين. التسوية المنشودة والواقعية تكمن فقط في تقديم النظام للمحاكم الدولية ومحاكمته عن جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم القتل تحت التعذيب، ولكن رغم كل هذا الواقع المرير للمجتمع السوري، فإن النظام -مع تخاذل المجتمع الدولي- لن يكتفي بطرح ما هو قائم، لأسباب بديهية، ألفها وياؤها أن نضال السوريين سيبقى شاقًا وطويلًا ومليئًا بالعقبات والعوامل الكابحة والمعرقلة داخليًا وخارجيًا، لكنه بدأ ولن يعود إلى قمم الطغيان، وبالتالي فإن إزالة طاغية بوزن الأسد تتطلب كفاحًا صبورًا، منه يستطيع السوري بناء كل شيء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق