تحقيقات وتقارير سياسية

لا كسر عظم بين روسيا و”إسرائيل”

صعّدت روسيا موقفها تجاه إسقاط طائرة استطلاع روسية (إيل 20) قبالة الساحل السوري، محملةً الطيارِين الإسرائيليين مسؤولية إسقاطها، إذ أعلن وزير الدفاع الروسي أن موسكو ستسلم سورية أنظمةً آليةً للتحكم في جميع وسائل الدفاع الجوي، ومنها صواريخ (إس 300)، وهذه الصواريخ -وفق ادعاءات وزارة الدفاع الروسية- ستمكن من إغلاق المجال الجوي السوري، أمام الهجمات الإسرائيلية.

توحي الخطوات الروسية أن ثمة تغييرًا ما، يحصل في استراتيجية تعامل روسيا مع “إسرائيل” على الجغرافية السورية، استراتيجية جديدة تتنافى كليًا مع المواقف الروسية خلال امتداد عُمر الثورة السورية، ولا سيّما عقب التدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015 لصالح الأسد، حيث قصفت “إسرائيل” أكثر من 200 مرة مواقعَ في سورية، من دون أن تتعرض لمضايقة من الروس، وأبعدَ الروس الميليشيات المرتبطة بإيران عن حدود الجولان، إرضاءً لـ “إسرائيل”، أثناء تسليم مدينة درعا، ولعل حماية نظام بشار الأسد من السقوط تمثّل الخدمة الروسية الكبرى المُقدّمة لـ “إسرائيل”؛ فهل نصدّق أن الروس قلبوا ظهر المِجن لعلاقاتهم العسكرية مع “إسرائيل”؟!

من المستبعد تغيّر قواعد اللعبة العسكرية في سورية، إذ ستستمر “إسرائيل” في قصف مواقع سورية أو مواقع إيرانية في سورية، وسيستمر التنسيق العسكري الروسي الإسرائيلي، فروسيا تضايقت مؤخرًا لأن “إسرائيل” أخبرتها أنها ستقصف بالجنوب لكنها قصفت بالشمال، وليس هناك أي معارضة روسية لعمليات القصف، طالما أنها تُخبَر بهذه العمليات قبل تنفيذها. وبالتالي فلن تؤثر منظومة (إس 300) في عمل الطيران الإسرائيلي، ما دام يأخذ موافقة الروس قبل كل عملية قصف.

سيشرف الروس على تشغيل المنظومة، ويُستبعَد تدريب السوريين على هذه المنظومة، وإن دُرِّبَ بعضهم، فإن تبعيتهم ستكون للروس بعيدًا من جيش النظام السوري.

تريد روسيا، من نشر (إس 300)، أن تكون وحدها اللاعب الفاعل الوحيد في سورية، وأن يكون بقية اللاعبين “الإسرائيليين، الإيرانيين، الأتراك، وربما الأميركيين” هامشيين، وهذا ممكن نظريًا مع الطرف الإيراني دون سواه، على الأقل في المدى المنظور، ولسنا في صدد بيان أسباب عدم قدرتها على إبعاد الأطراف الأخرى الآن.

ما يشير إلى استمرار القصف الإسرائيلي، إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، عقب الاجتماع الأمني لحكومته، أن “إسرائيل” ستواصل القيام بعمليات في سورية لمنع التوغل العسكري الإيراني، وهذا لا يندرج مطلقًا في سياق التحدي الإسرائيلي لروسيا، كما يعتقد كثيرون، فالتنسيق الأمني بين الروس والإسرائيليين سوف يستمر، بل سيتوسع، كما صرّح نتنياهو أثناء وصوله إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وتمتلك “إسرائيل” إمكانات عسكرية تستطيع من خلالها تحييد منظومة (إس 300)، ناهيك عن الدعم الأميركي المقدم لـ “إسرائيل”، الذي يستطيع تمريغ سمعة السلاح الروسي بالتراب؛ إن فكر الروس في إسقاط طائرات إسرائيلية.

تكشف هذه الحقائق أن دوافع التصعيد الروسي لا تمسّ “إسرائيل”، من قريب أو بعيد، بل إن تطوير التنسيق الأمني، بين الإسرائيليين المُتَسببين في سقوط الطائرة والروس، يُوضح بجلاء أن الهدف الحقيقي للتصعيد الروسي هو زيادة النفوذ الروسي في سورية، على حساب إيران، فالروس يتدرجون في تقليم أظفار إيران، لإخراجها لاحقًا، إدراكًا منهم استحالة الخروج من المستنقع السوري قبل إخراج إيران، واستحالة الوصول إلى حلّ سياسي في ظل الوجود الإيراني، واستحالة موافقة الولايات المتحدة على تسوية مع الروس، ما دامت إيران موجودة، ناهيك عن رفض الجميع تمويل إعادة الإعمار دون حلّ سياسي، يتضمن -في ما يتضمن- خروج إيران. ودعوة الروس الأميركيين حول (إس 300) كافية للدلالة على سعي روسيا في هذا الاتجاه، ولا ينبغي فصل الخطوة الروسية عن اتفاق سوتشي المتعلق بإدلب، حيث مثّل الاتفاق أبرز خطوة عملية تتعلق بتهميش الإيرانيين على الأرض.

يلحظ المتتبع للمشهد السوري استثمار الروس لكل فرصة للسيطرة على مفاصل القرار، والاستفراد بالمناطق الخاضعة شكليًا لنظام الأسد، ويبقى السؤال حاضرًا: ماذا ستقول روسيا لإيران، بعد عمليات القصف القادمة؟ وما موقف الإيرانيين من هذه الغارات ومن الروس تحديدًا؟!

سيطلب الروس من الإيرانيين الخروج حفظًا لماء الوجه؛ ذلك أن روسيا لن تضحي بمصالحها، ولن تدخل في حرب كسر عظم مع الولايات المتحدة، من أجل إيران، التي ستجد نفسها عاجزة عن الرد، كما عجزت عن رد أكثر من مئتي ضربة سابقًا لها ولحليفها الأسد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق