أدب وفنون

فلسفة الحياة والموت في السينما

قدّمت السينما، مثل كل أنواع الفنون، محاولات عبقرية عصية على النسيان للتعبير عن هواجس الإنسان ومخاوفه الوجودية، إذ تناول السينمائيون في أفلامهم قضايا حتمية كالموت والحياة، من وجهات نظر فلسفية متنوعة، تتدرج ما بين الغائية التي تفترض أن العلة هي المحرك الأساس للكون، وأنّ حياة كل إنسان وموته في كل زمان ومكان مرتبطان ببعضهما (كما في فيلم Cloud Atlas الذي أخرجه توم تيكوار والأختين ويتشوسكي عام 2012)، وبين العدمية التي تفترض أنّ الكون بأكمله بلا غاية ولا معنى (كما في فيلم  Irrational Man الذي أخرجه وودي ألن عام 2015).

كما طرحت السينما قضايا معقدة في هذا المجال، مثل تأثير المعتقدات الشخصية والموروث الاجتماعي في ما يتعلق بتصورات الفناء الإنساني، على سلوك الأفراد (كما في فيلم The Broken Circle Breakdown الذي أخرجه فيليكس فان غروننغن عام 2012)، وتقبل الموت وتأرجح الخلود ما بين الشك واليقين (كما في فيلم The Fountain الذي أخرجه دارين أرنوفسكي عام 2006).

وكسرت الأفلام السينمائية العديد من التابوهات التي نحاول تجاهلها متعمدين أحيانًا، وفسّر جيمس ب. كارس أهمية هذا الأمر في كتابه (الموت والوجود)، عندما قال: “يعلم الجميع أنّ اليأس يقبع كضيف لحوح خلف كل قلب إنساني، لكننا لو استبقينا الباب مغلقًا عليه، وأصررنا على إنكار حقيقة فنائنا، فإننا حينئذ نوصد على أنفسنا في فخ روحي لا يدخله الهواء، لأن إنكار الموت، إنما هو إنكار للحياة”.

سنحاول في هذا المقال تحليل فلسفة الحياة والموت، كما قُدمت في فيلمين فريدين، ينتميان إلى مرحلتين زمنتين مختلفتين، لما تركاه من بصمة مهمة ومتميزة في تاريخ السينما والفكر الإنساني، وفقًا لآراء العديد من النقاد، هما فيلم (شجرة الحياة) وفيلم (الختم السابع).

فيلم شجرة الحياة The Tree of Life-لا فرق بين موت طفل ومنحه قطعة من الحلوى!

يعتبر فيلم (شجرة الحياة)، الذي أخرجه تيرانس ماليك عام 2011، من أكثر الأفلام الأميركية جدلًا، إذ يلقي على عاتق المشاهد عبء التفكير في تساؤلات فلسفية ضخمة، تدور حول الوجود والعدم، عبثية الحياة وصراع الإنسان الدائم، بين الطبيعة كحيز مادي يقتضي القوة شرطًا للبقاء، وبين الفضائل الأخلاقية التي ترتبط بنزعة الإنسان للسمو الناتج عن تفوقه تطوريًا على بقية الكائنات التي يشاركها هذا العالم.

ويكتفي ماليك بطرح الأسئلة في فيلمه الذي رشح للحصول على ثلاث جوائز أوسكار، مما لا يتيح للمشاهد فرصة تشكيل تصور قطعي عن مفهومه لهذه القضايا، ولعل هذا لن يبدو غريبًا، إن علمت أنه خريج قسم الفلسفة في جامعة هارفارد بمرتبة شرف، ومترجم كتاب (جوهر الأسباب) للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، من الألمانية إلى الإنكليزية، لذا سأضطر إلى الإشارة إلى أن كل ما سأكتبه هنا هو مجرد وجهة نظر شخصية عن الأفكار التي تتالت لذهني أثناء مشاهدتي لتحفته الفنية.

من الوارد أن فيلم (شجرة الحياة) هو عبارة عن تداع حر في ذاكرة جاك (شون بن)، الرجل متوسط العمر الذي فقد أخاه في فترة المراهقة، وبقي محاصرًا في سرداب فكرة التصالح مع الغاية من موته، انطلاقًا من غاية الوجود الأساسية، وإذ يستعرض ماليك في سياق السرد الفني مشاهدَ من نشوء الكون بعد تلقي والدي جاك (براد بيت وجيسيكا شاستاين) خبر موت طفلهما، ابتداء من الانفجار العظيم، وتطور الكائنات من وحيدات الخلية، مرورًا بالديناصورات وانقراضها، انتهاء بالعودة لبداية علاقة الأبوين في فترة شبابهما، لن تستطيع منع نفسك من مقارنة عظمة الكون، عمره واتساعه، بفترة حياة الإنسان الذي لا يتعدى كونه نتاجًا لعملية التطور البيولوجي المستمرة، فهل يمكن للطبيعة، بتنوع أشكال الحياة فيها، أن تهتم بتفاصيل كل فرد منا، أو أن تلقي بالًا لمعاناته مهما بلغ حجم مأساته!

قد لا يستطيع الإنسان، الذي استطاع تسخير الأرض والقوى الطبيعية لاستمرارية جنسه ومنع انقراضه، أن يدرك أنه ليس محور الوجود ولم يكن يومًا كذلك، إلا أن العديد من الفلاسفة أجبروه على الوقوف مواجهة هذه الحقيقة، مهما كانت مرّة، حيث يرى شوبنهاور الحياة خالية من المعنى، لأنها مجرد جزء من الإرادة الكلية للطبيعة، التي لا تهتم سوى بالحفاظ على الأنواع.

ولعل ماليك حاول في فيلم (شجرة الحياة) إضفاء قيمة على حياة الأفراد القصيرة التي ستنتهي بحتمية الفناء، فصور ولادة الإنسان بالطفو من قاع البحيرة (الطبيعة)، وموته بالغرق فيها، ليبدو الموتُ النتيجةَ المنطقية للولادة، التي تشبهه إلى حد بعيد، ولعل إدراك عدم انفصال الإنسان كجزء، عن الطبيعة ككل، وتحوله من شكل إلى آخر في دورة الوجود العظيمة، هو خطوة مهمة نحو التصالح مع فكرة الموت، وإذ يجد ريتشارد دوكنز الدهشة، أمام تفاصيل الكون الذي حالفنا الحظ لنكون تفصيلًا بسيطًا من ماهيته بالغة التعقيد، والفضول للبحث عما لم يكتشف بعد، سببًا يدعوه للاستيقاظ كل صباح، يجد ماليك في الرحمة، والحب، والتعاطف مع بني جنسنا، والكائنات الأخرى التي يمثل تعاملنا معها تفوقنا الأخلاقي، والتواضع أمام الكون الذي ولدنا من رحمه، وسيلة للخلاص من العبث واللامعنى، وسبيلًا لتوديع من نحبهم بسلام.

فيلم الختم السابع The Seventh Seal-المعرفة أم الإيمان!

يصور السويدي إنغمار بيرغمان الحياة في فيلم (الختم السابع) الذي أخرجه عام 1957، على أنها صراع دائم مع الموت بنهاية حتمية لصالح الأخير، إلا أنه يجبرنا على الوقوف وجهًا لوجه معه، بمنظور عدة شخصيات تترنح بين الغضب والتسليم، الشك واليقين، وإن كان ينطلق من إلقاء عبء المعنى الوجودي، وإنقاذ الإنسان من الضياع الذي يغرق في دواماته اللامتناهية، على إمكانية وجود قوة عظمى يتكئ عليها خلال رحلته القصيرة، من الرحم إلى الكفن، فإنه حتمًا لا ينتهي بذلك.

ويقص برغمان، بأسلوب ملحمي، في فيلمه الفائز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، والمرشح لنيل جائزة السعفة الذهبية في مهرجان (كان)، قصة الفارس “أنتونيوس” (ماكس فون سيدو) الذي يعود من الحروب الصليبية إلى بلده السويد، ليجدها واقعة بين براثن الطاعون، ويقرر أن يلعب الشطرنج مع الموت المتربص به، بحثًا عن إجابات عن أسئلة الحياة الضخمة، لعلها تعيده إلى صفوف المؤمنين بعد أن شعر بالخذلان، هو الذي يحتاج إلى كفّ خفية تربت على كتفه، وتخبره أن الوجود ليس مجرد فقاعة تطفو في العدم، وأن للعذاب الذي يقاسيه البشر معنى، ولموت الأطفال الصغار غاية أسمى.

وإذ يصور برغمان البشر عاجزين عن الإفلات من شباك الحياة وحتمية الموت، يجد أن بإمكانهم دائمًا اللامبالاة أمام وهم الخلود، أو التسليم المطلق بما يقدمه لهم اللاوعي الجمعي من حلول للخلاص من قشور القلق التي تلتصق بهم منذ الولادة، حتى لو كانت لا تتطابق مع الأفكار الوليدة من العقل التحليلي.

ويؤكد المخرج الذي عاش طفولة محافِظة مع أبيه، القس البروتستانتي الذي شغلته أفكار الخلاص والتطهر الديني، أنّ التوق الغريزي للمعرفة عبء، إلا أنه الوسيلة الوحيدة أمام الباحثين عن ثقل المعنى وسط الخواء الأبدي، ولعل في رقصة الموت التي تؤديها الشخصيات في المشهد الختامي الذي تحول إلى أيقونة في تاريخ السينما، دعوة للاحتفال بالوجود، الذي سيودي بنا جميعًا إلى النهاية نفسها، مهما تعددت طرقنا وخياراتنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق