ترجماتسلايدر

لا. إدلب ليست “جيبًا إرهابيًا”

بينما تتجه تركيا وروسيا نحو تنفيذ “منطقة منزوعة من السلاح”، تمتد من 15 إلى 20 كيلومترًا بين إدلب والمناطق المحيطة بها، فإن وسائل الإعلام السائدة وقوى الوضع الراهن عازمة على تصوير إدلب “جيبًا إرهابيًا”، بينما الناس داخل إدلب مصممون على كسر هذه الصورة الزائفة والخطرة.

بعد أيام من تجدد القصف الجوي على إدلب من قِبل روسيا ونظام الأسد، وصفت تولسي غابارد، عضو الكونغرس الديمقراطية، إدلب بأنها “معقل القاعدة”، في رسالة فيديو مسجلة نُشرت على حسابها على (تويتر). وفي نفس التغريدة، وصفت إدلب بأنها “مدينة تسيطر عليها القاعدة”. بعد أسبوع من ذلك، وفي خطاب ألقته أمام أعضاء الكونغرس الأميركي، زعمت أن هناك “20,000 إلى 40,000 من تنظيم القاعدة وغيره من الجهاديين” في إدلب، وهو رقم يتجاوز إلى حد كبير الأعداد التي أبلغت عنها الأمم المتحدة بل يتجاوز البروباغندا الموالية للنظام.

لا يزال ديفيد ديوك، الزعيم السابق لـ “كو كلوكس كلان” (والمؤيد القوي لكل من ترامب وغابارد) يغرد على (تويتر) داعمًا قصف روسيا والأسد لإدلب. وادعى أن هذا كان من أجل “حماية أطفال إدلب الحقيقيين”، مما يعني أن هؤلاء الأطفال المستهدفين من قبل الأسد والقصف الجوي الروسي هم “ممثلو أزمة مزيفون” ويستحقون الموت، بسبب جريمة تضليل الرأي العام الأميركي.

انضم فيجاي براشاد، وهو أكاديمي بارز في الدوائر اليسارية، إلى الجوقة من خلال استخدام صور خطرة ونمطية في إدلب. في مقالته الأخيرة، كتب براشاد: “أمرٌ لا يُحتَمل أن تسمح الحكومة في دمشق بوجود جيب لمقاتلي القاعدة داخل البلاد، وهذا هو السبب في أن المعركة الرئيسة ستكون هناك، في إدلب”. ووصف الحملة العسكرية ضد إدلب من قبل الأسد وحلفائه، بأنها “قبيحة” ولكنها “حتمية”. وبعد تطبيع هذا السيناريو المروع، ينهي براشاد مقالته من خلال نصح الجميع في إدلب “بعقد صفقة الآن قبل بدء المذبحة الرهيبة. هذا القصف ليس هو أول هجوم في المعركة النهائية، بل المحاولة الأخيرة للتفاوض”.

إدلب كساحة للنضال من أجل السلامة وتقرير المصير

ما يغيب تمامًا عن صورة إدلب، التي قدمها غابارد وديوك وبراشاد وآخرين كثيرون، هو وجود أكثر من 3 ملايين مدني (حوالي 1 مليون منهم من الأطفال بحسب يونيسف) محاصرين، بين حدود تركيا التي يحرسها العسكر والمناطق التي يسيطر عليها النظام. ويُقال إن 1,5 مليون من هؤلاء السكان هم نازحون قسرًا من الغوطة الشرقية وحلب ومناطق أخرى من سورية. هذه المناطق احتلها نظام الأسد وروسيا وإيران وحزب الله، من خلال حملة بربرية من هجوم جوي وحصار استيطاني وتهجير قسري. لكن إلى جانب هذا الوضع الإنساني الكارثي، تُعدُّ محافظة إدلب موطنًا لمئات من منظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية التي تم إنشاؤها وقت الثورة. على مدى السنوات الثماني الماضية، كانت هذه الشبكة المدنية الشعبية في طليعة تحدي السياسات الطائفية والقمعية والسيطرة لكل من الجماعات السلفية المتطرفة وكذلك لنظام الأسد. كما ذكرت ليلى الشامي:

“هناك أكثر من 150 مجلسًا محليًا في محافظة إدلب، اُنتخِب أعضاؤها بشكل ديمقراطي في أول انتخابات من هذا النوع خلال أكثر من أربعة عقود من حكم الأسد … إن وجود الجماعات المتطرفة المتشددة في محافظة إدلب هو المبرر الذي قدمه النظام وحليفه الروسي لمواصلة هجومهم الجوي. إلا أن هذه الضربات الجوية، التي تستهدف عادة المناطق السكنية والبنية التحتية المدنية الحيوية، والتي تشوه الرجال والنساء والأطفال وتقتلهم، تخلق الفوضى واليأس حيث تزدهر الجماعات المتطرفة.

كما أن وجود مثل هذه الجماعات يوفر الأساس المنطقي لسحب تمويل المانحين لمنظمات المجتمع المدني، بسبب مخاوف من أن ينتهي الأمر به في الأيدي الخطأ. ومع ذلك، فإن مقاومة التطرف تبرز بشكل ناجح من المجتمعات المحلية التي لديها شبكات قوية من المجتمع المدني، حيث تشارك النساء الأكثر عرضة للخطر بقوة. إن سياسة مكافحة التطرف الخطيرة تتطلب وضع حدٍ لقصف المدنيين واستمرار التمويل والدعم لجماعات المجتمع المدني النسائية”.

بعيدًا عن “جيب القاعدة”، تعدُّ إدلب حاليًا مركزًا لشبكة معقدة من المصالح السياسية المتنافسة، ولاعبين من الدول الإمبريالية والميليشيات الرجعية وشبكة هشة، ولكنها مرنة، من منظمات المجتمع المدني. في بيان جماعي أخير وقّعه أكثر من 20 منظمة مجتمع مدني محلي، تم وصف إدلب بأنها “نواةٌ لسورية جديدة خالية من مظاهر الاستبداد والتطرف”.

تظاهرات إدلب الشعبية الأسبوعية المناهضة للحرب

ما يغيب أيضًا عن صورة إدلب التي قدمها كل من غابارد، وديوك وبراشاد هو التظاهرات الشعبية السلمية والمناهضة للحرب والمناهضة للدكتاتورية والمناهضة للتطرف، وكانت تحدث كل يوم جمعة في الأسابيع الثلاثة الماضية. كل تظاهرة تنطلق تحت شعار شعبي محدد. كانت التظاهرة الأولى في 7 أيلول/ سبتمبر تحت شعار المقاومة خيارنا، والتظاهرة الثانية في 14 أيلول/ سبتمبر، تحت شعار لا بديل عن إسقاط النظام، وآخرها في 28 أيلول/ سبتمبر تحت شعار نظام الأسد هو مصدر كل الإرهاب. في تظاهرتين، هاجمت هيئة تحرير الشام (هتش)، وهي الجماعة السلفية، الاحتجاجاتِ الشعبية بالبنادق، في محاولة لإنهاء التظاهرات وتفريق الحشد، لكن الناس بقوا متّحدين وهتفوا بشعار “هذه هي إدلب! فليخرج بلطجية (النظام)، فليخرجوا!”

انضم آلاف الرجال والنساء من جميع الأعمار إلى هذه التظاهرات الشعبية، بأعلام ولافتات جميلة ومعبّرة مصنوعة يدويًا. وركزت العديد من اللافتات الاحتجاجية على صورة إعلامية خاطئة لإدلب “كجيبٍ إرهابي”، وهي الصورة غير المسؤولة والتقليدية إلى درجة أن غالبية الخبراء والسياسيين الغربيين من جميع الخلفيات السياسية ظلوا يرددونها. إحدى اللافتات تقول: “نحن نريد الحرية، نحن لسنا إرهابيين”، وثانية: “هذه أرضنا، ولن نخرج منها”، كما تم تبادل خطابات التضامن بين تظاهرات إدلب ومسيرة العودة الأسبوعية في غزة.

مالكوم إكس، العنصرية و”الحرب على الإرهاب

من المثير للسخرية أن غابارد وديوك وبراشاد، وغيرهم ممن يعارضون على ما يبدو الحربَ الإسرائيلية التي لا تنتهي على الفلسطينيين (أو حروب أميركا التي لا تنتهي في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، يتبنون ويكررون خطاب إسرائيل اللاإنساني والمعادي للمسلمين لسلطة “معقل الإرهابيين”، و”الدرع البشري” و”حق النظام المحلي في الدفاع عن النفس”. هذه هي المصطلحات ذاتها التي يروّج لها النظام الإسرائيلي في الإعلام السائد، لتبرير قصفه الوحشي للمدارس والمستشفيات والأسواق في الأحياء السكنية في غزة والضفة الغربية.

ومع ذلك، فإن هذا الخطاب الإعلامي القاتل والمسلح يسبق عملية محو إسرائيل المنهجية للفلسطينيين. هذه المصطلحات هي إرث في الترسانة الاستعمارية. في خطابه عام 1964 أمام اتحاد الطلاب جامعة أكسفورد، تعامل مالكوم إكس مع هذه الظاهرة التاريخية بعمق:

“إذا درستَ تاريخ الحروب المختلفة، تبيّن لك أنه كلما أراد حكام بلد أن يتدخلوا بشكل غير عادل ويغزوا ممتلكات شخص آخر، فإنهم يستخدمون الصحافة لإظهار أن المنطقة التي هم على وشك غزوها مليئة بالمتوحشين، أو مليئة بالمجانين، أو أن من فيها يغتصبون النساء البيض، ويتحرشون بالراهبات. إنهم يستخدمون نفس التكتيك القديم كل مرة لدرجة الملل… السلطات التي تستخدم الصحافة لتضفي على الشيطان صورة ملائكية، وتظهر من هو ملاك حقًا بصورة الشيطان. إنهم يصورون الاضطهاد والاستغلال والحرب بالفعل بمثابة عمل من أعمال الإنسانية… وهذا يأتي مجددًا من خلال التلاعب بالصور. عندما يريدون منك أن تفكر في منطقة معينة أو مجموعة معينة على أنها تشارك في أعمال التطرف، فإن أول شيء يفعلونه هو عرض ذلك الشخص في صورة متطرف”.

من خلال ملاحظاته وتحليله المناهض للاستبداد، فكّك مالكولم إكس آليات التمثيل نفسها التي تمكّن الإرهاب المنهجي والإبادة ضد المجتمعات السوداء وغير السوداء، داخل الولايات المتحدة وخارجها. إن خطاب “الحرب على الإرهاب” الذي يعتمد عليه نظام الأسد والعديد من الدول الاستبدادية الأخرى اليوم هو ببساطة استمرارية وعولمة الآلية الأميركية للتمثيل العنصري.

إن الإبادة الخطابية للسكان المحليين، وتصوير أي جغرافيا، سواء كانت إدلب أو حلب أو عفرين أو غزة أو كشمير أو الحدَيدة أو فيرغسون كـ “جيب متطرف” (أو “معقل القاعدة” كما يفضل ماكس بلومنتال وبن نورتون) إنما هي استمرارٌ لتاريخ من القرون الطويلة من العنف الممثل للعنصرية البيضاء، الاستعمارية والإمبريالية. إنه شكل من أشكال العنف يستخدم الإسلاموفوبيا [الخوف من الإسلام]، والقوالب النمطية، والعنصرية والتجانس، من أجل إنتاج صور مجرمة لأراض بأكملها ولسكانها، استعدادًا لإبادة كاملة. يمكننا فقط مقاومة مثل هذه الصور العنيفة والبغيضة والتبسيطية، من خلال تكرار أصوات المجتمعات المدنية المرنة التي تكافح من أجل السلامة الجماعية والكرامة وتقرير المصير.

اسم المقال الأصلي No! Idlib is Not a ‘Terrorist Enclave’
الكاتب سينا زيكافات، SINA ZEKAVAT
مكان النشر وتاريخه مانغال ميديا، MANGAL MEDIA، 24/9
رابط المقالة http://www.mangalmedia.net/english//no-idlib-is-not-a-terrorist-enclave
عدد الكلمات 1193
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق