مقالات الرأي

الانتماء والشعور بالانتماء الوطني في سورية

كتب الصحفي السوري بسام يوسف، على جدار صفحته في (فيسبوك) أنه لم يُغادر سورية، من تاريخ ولادته 1961 حتى 2012، يومًا واحدًا، ولم يُمارس عملية التصويت طوال هذه المدة إلا في السجن مع رفاقه، في ما يتعلق بالجوانب المعيشية الحياتية اليومية، وها هو ذا في عام 2018 يمارس لأول مرة في حياته، بكامل الحرية والقناعة الشخصية، حقه في التصويت في ما يتعلق بسياسة الشأن العام لدولة السويد، البلد الذي اختاره قسريًا كمنفى له، وقد خرج من المركز الانتخابي، وهو يبكي بصمت على وطنه سورية، حيث لم يستطع أن يصوّت مرة واحدة بحرية في وطنه.

هذه المشاعر الوجدانية الوطنية النابعة من القلب تكاد تكون مشاعر معظم السوريين الذين حُرموا من التعبير عنها في سورية، من قِبل النظام الأسدي، طوال عقود.

الانتماء هو ما يتجسد من خلال منظومة من المشاعر والأحاسيس التي تربط المواطن بالأنساق الاجتماعية (الأسرة، الجماعة، المجتمع المحلي، والمجتمع الشامل) المحيطة به، ومن المفترض أن يحمل روحها ويجسد قيمها سلوكًا على أرض الواقع المعاش، كصورة مصغرة عنها.

أما الانتماء الوطني فهو انتساب إلى وطن ما -مكان جغرافي محدد- يكون فيه المواطن مندمجًا فيه، باعتباره عضوًا فيه له حقوق وعليه واجبات، والأهم أن يشعر بالأمان فيه. وهذا يعني تداخل الولاء مع الانتماء الذي يعبّر المواطن من خلاله عن مشاعره تجاه وطنه المنتمي إليه.

وقد ذهب بعض علماء النفس (ماسلو) إلى اعتبار الانتماء حاجة أساسية وضرورية للإنسان، تأتي بعد حاجات الطعام والشراب والمسكن والأمان في سلّم الحاجات، وهذا ما يؤكد عدم قدرة الإنسان على العيش من دون انتماء، يشعر الفرد من خلاله بالروابط المشتركة بينه وبين أفراد مجتمعه، ويوجهه توجيهًا يجعله يفتخر بالانتماء إلى وطنه، ويضحي من أجله إذا ما تعرض إلى عدوان خارجي، أضف إلى ذلك أن هذا الانتماء يُشعره بجمال الحياة وبقيمة الفرد في مجتمعه، كما ينمّي لديه الوعي المعرفي بحقوقه وواجباته، انطلاقًا من أنه لا حق بلا واجب.

الانتماء الوطني يتحدد من خلال معياريين أساسيين متكاملين، لا يمكن الفصل بينهما إلا للحديث عنهما: العامل الثقافي الذاتي الذي يأخذ صورة الولاء للوطن كمكان جغرافي معين، والعامل الموضوعي الذي يتمثل في معطيات الواقع الاجتماعي المحيط بالمواطن السوري، أي أن الانتماء الفعلي للمواطن يظهر من خلال حالة دمج الذات الفردية في ذات أوسع منها وأشمل (الوطن)؛ ليصبح المواطن بهذا الدمج جزءًا من هذا الوطن.

هنا لا بدّ من التميز بين الانتماء والشعور بالانتماء، فالانتماء حالة موضوعية يقرها واقع الحال، كأن ينتمي الإنسان إلى وطن، بحكم اللغة والجنسية أو عوامل أخرى، أما الشعور بالانتماء فقد يتطابق مع البعد الموضوعي لانتمائه وقد يخالفه أو يتناقض معه، فالمواطن الذي يعيش في سورية ينتمي موضوعيًا إلى سورية، ولكن مشاعر الانتماء وروابط الوطنية ضعيفة لديه، بسبب السياسة الاستبدادية للنظام والشعارات القومجية الفارغة من مضمونها، فتحدث المفارقة بين واقع الانتماء ومشاعره.

الانتماء الوطني لن يتجذر في المشاعر الوجدانية للمواطن إلا بممارسة المواطنة على نحو مؤسسي وعملي، حيث تتضمن الحقوق، الواجبات، الشراكة والمسؤولية للمواطنين في الوطن، أما في حالة غياب المواطنة سياسيًا واجتماعيًا، كما هي الحال في سورية، فيتحول الانتماء إلى شعارات للمزايدة والمنافسة على الولاء والخنوع لرأس الحاكم.

هذا الخنوع أخذ خصوصية في الثقافة السورية، في عهد الأسد، من التملق والمجاملة والتجنب والتقية والتسويغ والتنازل والمساومة، ووصل في نهاية الأمر إلى تقبيل الحذاء العسكري تعبيرًا عن الانتماء الوطني، بدلًا من الرفض والمعارضة.

إن مجرد التواجد داخل وطن لا يعني بالضرورة الشعور بالانتماء إليه، كما هو حال المواطن السوري، إذا لم يشعر ان له دورًا مهمًا وفاعلًا فيه، ومن خلاله يكون للتواجد فيه معنى وهدف. أي المواطنة التي تتضمن حقوقًا يتمتع بها جميع المواطنين، وهي في الوقت نفسه واجبات على الدولة والمجتمع، ومن أهمها (الحرية الشخصية والسياسية، الاعتقاد، العمل، التعليم، الرعاية الصحية… الخ).

إن الشعور بالانتماء يعمق الإحساس والشعور بالمسؤولية، ويخرجه من عالم المفاهيم والمصطلحات الأسدية الرنانة، إلى عالم التطبيق والواقع الملموس. فإذا ما افترضنا أن الشعور بالانتماء هو حاجة ضرورية للإنسان؛ فإن علينا أن ندرك أن هذه الحاجة لا بد من إشباعها وتلبيتها بالطريقة التي ترضي الفرد، فالشعور بالمسؤولية والقدرة على تحملها هو النتاج الطبيعي للشعور بالانتماء.

الانتماء الوطني في مرحلة حكم الأسد تجسد بالخنوع التام له، وبالتالي كل مواطن سوري رفض الخنوع هو بالمحصلة معارض، لا وطني، في منظور هذا النظام، أما في العرف السياسي العالمي والمتعارف عليه دوليًا، فلا يمكن لأي نظام سياسي أن يكون وطنيًا، ما لم يعترف بالمعارضة السياسية، ويضمن لها الواجبات والحقوف في الدستور نصًا وممارسة، ويعتبرها جزءًا من النظام السياسي الوطني، وأي نظام يكون لديه معارضة سياسية مهجرة قسريًا ومطاردة في الخارج، كما هو الحال في سورية، يؤكد بذلك على لا وطنيته.

إن تعميق مفهوم الانتماء الوطني، في سورية المستقبل، يتطلب العمل على بلورة مفهوم المواطنة نظريًا، وممارسة في الأنساق الاجتماعية السورية كافة، فالمواطنة عملية بنائية مستمرة، تتضمن مسؤوليات، حقوقًا، وواجبات، وهي جسر الوصول إلى مستوى متقدم من حالة الشعور والالتزام بكل مقتضيات الانتماء الوطني في الأنساق الاجتماعية كافة، وصولًا إلى المجتمع السوري الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق