مقالات الرأي

“الجيش العربي السوري” تعبير لا معنى له

طوال خدمتي الإلزامية في الجيش، كنت أتساءل: هل يمكن لهذا الجيش أن يُدافع عن الوطن ويحميه؟ ذلك لأني لم أجد من مقوماته ما يؤهله لتلك المهمة العظيمة. في ساحة الاجتماع الصباحي، كان يُرفع كل صباح جندي أو تلميذ ضابط على كرسي مقلوب، لينال على قدميه العاريتين ثلاثين أو خمسين أو مئة ضربة قوية بعصًا غليظة، حتى يُسمع صياحه في كل أرجاء المعسكر، فيما يتبختر الضابط القائد منتشيًا بإذلاله لشاب في مقتبل عمره، وحين رفض أحد تلاميذ الضباط رفع رجليه ذات مرة، انهال عليه الضابط ركلًا وصفعًا حتى أدمى وجهه، ثم أصدر قرارًا بنقله إلى الجبهة، والجبهة تعني الحدود مع “إسرائيل”، ومن المفارقات أن تكون الخدمة على الجبهة أقصى عقوبة ينالها العسكري، بدلًا من أن تكون تشريفًا وتكريمًا له، وهكذا فقد سادت مشاعر الخوف والإحباط والكراهية عند الجنود وصفّ الضباط، وهم النسبة الأكبر عددًا من قوام الجيش، ولم تعد مسألة حماية الوطن والدفاع عنه هاجسهم الأساس، بل كان هاجسهم هو الخلاص من تلك الحياة الذليلة التي زُجوا فيها من دون إرادتهم ورغبتهم.

كان طبيعيًا أن يُهزم ذلك الجيش طوال عقود، بدءًا من حرب حزيران/ يونيو 1967، وليس انتهاءً بحرب تشرين/ أكتوبر 1973، ولقد أصبحت عبارة: “سنرد في المكان المناسب والوقت المناسب”، بين الحربين وما تلاهما، نكتةً يتندر بها السوريون منذ أربعين سنة، لأنه طوال تلك السنوات حتى الآن لم يحدث أن رد الجيش العربي السوري على هجمات “إسرائيل” الصاروخية والجوية، ولا حتى على هبوط طائراتها المروحية مرات عديدة لتنفيذ مهمات تدميرية وسط معسكرات الجيش، ثم الانسحاب من دون خسائر، ولقد كنت شاهدًا على إحدى تلك المهمات في معسكرات النبك، حيث كنت أخدم، فقد وصلت طائرة الهليوكوبتر ليلًا، وحطت على تلةٍ مشرفةٍ على المعسكر، وأطلقت من هناك زخات من الرصاص على مهاجع الجند، فقتلت وجرحت اثني عشر منهم، ثم انسحبت بعد أن قضت أكثر من ساعة في تنفيذ مهمتها، والطريف والمحزن أن أربع دبابات قدمت من معسكرات (القطيفة) القريبة في الصباح، بعد مرور أكثر من خمس ساعات، لتدافع عن معسكر النبك! فيما كانت الطائرة المعادية قد خلفت في المكان الذي حطت فيه علبًا فارغة من الببسي كولا.

كان لذلك الضعف في قدرة الجيش على سرعة الحركة، وفي عدم قدرته على أن يكون جيشًا قويًا بقيادته وتدريبه ونظامه، أسبابه الموضوعية، فلقد بدأت عمليات تسريح الضباط القادة الأكفاء، بعيد شهور قليلة من ثورة آذار/ مارس عام 1963، واستمرت عمليات التسريح والتهميش والاعتقال في الفترات اللاحقة، وكانت ذروتها مع استلام حافظ الأسد لمقاليد الحكم عام 1970، إذ صرف مئات الضباط القادة من الخدمة، واعتقل معارضيه وتركهم يموتون في سجونهم ببطئ، وأصبحت تراتبية الجيش تقوم على أساس طائفي ومناطقي وحزبي، فقائد المعسكر يجب أن يكون بعثيًا ومواليًا ومن طائفة الأسد، فإن لم تتوفر تلك المعايير يمكن إسناد المنصب إلى شخص بعثي شديد المولاة من طائفة أخرى، على أن يكون فاسدًا أو متواطئًا مع الفساد، ثم يكون الضابط المساعد تابعًا للأمن العسكري، ومن طائفة أقلوية إن وجد، وتأتي الرتب الأدنى غالبًا من الضباط الصغار المتطوعين المنتمين إلى طائفة الأسد.

بعض كبار الضباط القدامى الذين لم تشملهم عمليات التسريح والاعتقال، كانوا يُعامَلون بطريقة عنصرية، إذ كان كل خمسة منهم يُنقلون من ثكناتهم إلى بيوتهم بسيارة قديمة وبشكل جماعي، بينما تُفرز عدة سيارات لكل ضابط من الصنف الأول، ولم تكن لضباط الصنف الثاني أي صلاحيات قيادية، بل كانوا أشبه بموظفين مدنيين من الدرجة الدنيا، ويعرف كل من خدم في الجيش كيف كان الطعام يوزع على أساس عنصري أيضًا، فللضابط القائد وجبته الخاصة، وللضباط الأدنى وجبات أقل تميزًا، وهكذا فإن وجبات صف الضباط كانت فقيرة باللحم، وما تبقى من عظام وبعض لحم ومرق للجنود.

كنا نحسُّ ونتألم لذلك الفصل العنصري، من دون أي إمكانية على انتقاده، لأن انتقاد القائد جريمة في عرف الجيش، وعلى هذا المنوال من العنصرية كان يجري فرز الضباط والجنود إلى المعسكرات المنتشرة في كل أنحاء سورية، وكلما كان الضابط أشد ولاءً تسلّم قيادة المعسكر الأقرب للمدن والأبعد عن جبهة القتال، وكلما كان في سيرته بعض من الشكوك في ولائه؛ فرز إلى الجبهة.

أتاح لي برنامج (حماة الديار) الذي كنت أعدّه وأقدّمه، في بداية الثمانينات لمدة سنة ونصف، أن أجول في معظم المعسكرات، وأتعرف عن كثب إلى كم الفساد والهدر للمال والطاقة، على حساب حماية الوطن والذود عنه، في الوقت الذي يشكو فيه قادة الجبهة وجنودها من الإهمال المريع لهم في كل شيءٍ تقريبًا، بما في ذلك التسليح وعوامل الأمان، وحين ذهبت مع فريق التصوير إلى قمة جبل الشيخ مستخدمين سيارة دفع رباعي، تعطلت مرارًا بسبب وعورة الطريق وكثافة الثلج، فوجئنا بالحال المزرية التي كان يعيشها الضابط الملازم أول مع عناصره، في تلك القمة التي تصل درجة الحرارة فيها شتاء إلى ما دون الثلاثين تحت الصفر، مع ذلك كانت وسيلة تدفئتهم في تلك الغرفة الإسمنتية الكتيبة، مدفأة صغيرة على شكل أسطوانة، لا تستطيع مقاومة الرياح، فتنطفئ كل بضع دقائق وتملأ الغرفة دخانًا، بينما يقف الجنود في الخارج داخل خنادق امتلأ نصفها بالثلج، ولم يكن لوجودهم هناك أي معنى سوى الإذلال، وفي القمة المواجهة، رأيت بالناظور المكبر غرفة زجاجية يقف فيها عسكري إسرائيلي يرتدي قميصًا صيفيًا وكان يمضغ اللبان ويبتسم، لأنه كان يرانا بمنظاره أيضًا، وقد روى لنا الضابط أن فرقة فنية تزور الجنود الإسرائيليين كل أسبوع، حيث يحيون على مرأًى منا ليلة عامرة بألوان الفرح؛ ما يشعرنا بالإحباط ونتساءل: ماذا تخسر قيادة الجيش لو أمنت لنا تدفئة مناسبة، ومواصلات متاحة لا نضطر في غيابها إلى إرسال الجنود ليغوصوا في الثلج مشيًا، ليجلبوا لنا الطعام من القرى المجاورة؟ بعد الثورة حاول النظام خلق انطباع يتلخص بأن الجيش العربي السوري لا يزال أكبر قوة عسكرية تُشارك في الحرب ضد الإرهاب المدعوم من قوى عربية ودولية، وعملت وسائل الإعلام المأجورة لنظام الأسد، في لبنان خاصة، على تقديم تلك الصورة داخليًا وخارجيًا، وهي ما تزال تعمل عليها حتى الآن.

الواقع على الأرض يكشف أن الجيش السوري انقرض تقريبًا، بسبب هرب معظم الشبان من الخدمة العسكرية والانشقاقات الخطيرة التي قام بها آلاف من الضباط المهمّشين والجنود الذين رفضوا القتال ضد أهلهم، ولأن نظام الأسد كان متشككًا في ولاء غالبية الوحدات العسكرية، لم يتمكن من نشر أكثر من ثلث القوة الاسمية لها على أرض المعركة التي تكبدت خسائر كبيرة، وهكذا اضطر الأسد اعتبارًا من صيف 2012 إلى طلب النجدة من (حزب الله)، ثم من (فيلق القدس) الإيراني، الذي استقدم بدوره الميليشيات الطائفية من العراق وأفغانستان وباكستان وغيرها، ثم استقدم الجيش الروسي، كما اصطنع قوات رديفة من منتسبي حزب البعث ومنظمتي الشبيبة والطلبة، أسماها (قوات الدفاع الوطني)، كما سمح بإنشاء ميليشيات طائفية في مناطق مؤيديه، يمارسون أنواع السلب والنهب والقتل والتدمير، وأقام نُصبًا للحذاء العسكري في تلك المناطق، في محاولة يائسة لإقناع مؤيديه بأن الجيش السوري ما يزال قويًا، وبأن الحلفاء من الإيرانيين والروس مجرد قوات مساندة، بينما في الحقيقة لم يبق من ذلك الجيش سوى الاسم الذي لا يعنيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق