تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

مناوشات النظام السوري و”الأسايش” بين المسرحية والغموض السياسي

أثار مؤخرًا مقتل ثلاثة عشر من عناصر الأمن السوري، على أيدي قوات (الأسايش) الكردية، كثيرًا من النقاشات والحوارات، سواء أكان ذلك على الصعيد الشعبي أم على صعيد النخب السياسية والثقافية، وكانت الآراء متأرجحة بين من رأى أن ما حصل هو مسرحية مُتفق عليها بين الطرفين، وبين من رأى أن هناك من أوعز للقوات الكردية للقيام بهذه التصفيات نتيجة خلافات مع النظام، إضافة إلى من رآها نتيجة لتناقض المصالح وسعي النظام لبسط سيطرته من جديد على المناطق الكردية،

تُعدّ مدينة القامشلي الواقعة شمال شرق الحسكة، العاصمة الفعلية للمناطق التي يسيطر عليها الأكراد شمال سورية، ويُطلقون عليها تسمية (روج آفا) أو (كردستان الغربية)، حيث تحكم (الإدارة الذاتية) التي يقودها الأكراد معظمَ مدينةالقامشلي، بينما تسيطر قوات النظام السوري والميليشيات التابعة لها على المربع الأمني والمطار فقط.

على الرغم من الاتفاق الواضح، بين القوتين المسيطرتين على المدينة، فإن المدينة لا تخلو من اشتباكات ومناوشات بين الفترة والأخرى لأسباب مختلفة، وفي كل مناوشة يذهب معارضو النظام و(الأسايش) التابعة ضمنيًا لـ (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي إلى تسميتها بمختلف المسميات على أنها “مسرحية” أو “صدام الحلفاء” أو “خلاف إخوة السلاح”، ويذهبون إلى القول بأن “شهر العسل” قد انتهى بين الأصدقاء، وما إلى ذلك من مُسمّيات، ويعتبرها المحللون السياسيون أبعد من أن تكون مجرد حادث عرضي، ما دفع الناطق الرسمي باسم (وحدات حماية الشعب) نوري محمود، السبت 15 أيلول/ سبتمبر الجاري، الى إصدار بيان، بعد أيام من الحادثة، يُعزّي فيه ضحايا الأمن العسكري وذوي الضحايا، ويؤكد على فتح تحقيق بالحادثة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل حقًا أن ما يتم من اشتباكات ومناوشات بين قوات النظام السوري و(الأسايش)، بين الفترة والأخرى، في مناطق سيطرة الأكراد لا سيّما مدينتي الحسكة والقامشلي، هو مسرحيات، أم أنها جزء من الغموض الذي يسود سورية.

توجهت (جيرون) بالسؤال إلى عدد من المعنيين، لمعرفة آرائهم حول القضية: هل ما يُرى هو مسرحيات بالفعل؟

القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني – سورية مصطفى جمعة حاول رد التهمة عن القوات الكردية، وقال: “سيبقى البعض يسمي كل مناوشة بين النظام و(الأسايش) بالمسرحية -لا أنفي ذلك بالمطلق- دون الركون إلى تحليل المعطيات السياسية ودوافع النظام في هذه المرحلة، أو النظر إلى استعصاءات الحالة السياسية العامة في سورية، ويخطئ من يسعى لتبسيط الأمور بوصفها بالمسرحيات، أرى أن هناك تعقيدات طارئة تلف الحلول المطروحة من جانب الأطراف المعنية بالأزمة السورية، وكذلك موضوع إدلب وعدم الاتفاق على مصيرها بشكل نهائي، من هنا يحاول النظام كسب الوقت وإظهار قوته وسيطرته على كل المفاصل وفي كل المناطق، دون أن يجري تفاهمًا كليًا مع الطرف الكردي”.

ورأى الكاتب الصحفي إبراهيم اليوسف أن وصف المناوشات بين الطرفين بالمسرحية “غير دقيق”، وأوضح: “التمثيل كان من جهة واحدة، الأسايش كان يدّعي أنه ضد النظام، ولكنه كان متفقًا معه، ولكن حزب الاتحاد الديمقراطي لا يهمه النظام، وإنما يهمه رايته الحزبية، اسمه، مصالحه، مصالح معلميه، ومعلمي معلميه، إنه يستفيد من الجميع ولكنه يعمل لنفسه، ويدافع عن حزبيته، بعكس النظام الذي يبيع كل شيء: البعث، الأمة العربية، الأمة الإسلامية، سورية، العالم كله، لأن ما يهمه فقط هو كرسي الرئيس ومن حوله أيًا كانت توصيفاتهم، وأيًا كان الكرسي ومساحته”.

 

الكاتب السياسي نور الدين عمر، أحد المقربين من (الإدارة الذاتية)، يشير إلى أن “التشكيك في مصداقية الإدارة ونشر الشائعات وادعاء أن كل ممارسات هذه الإدارة مخالفة للمعايير وحقوق الإنسان، وأنها مجرد أداة بيد قوى لا تريد الخير للأكراد ولسورية، هو عداوة علنية لما حققته الإدارة الذاتية من إنجازات، هي في صالح كل المكونات في شمال سورية، وأولها المكون الكردي، وهذه الإدارة حاولت قدر استطاعتها تجنب الدخول في الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية مع قوى المعارضة، وكذلك مع قوات السلطة الحاكمة، لكنها تعرضت لمختلف الهجمات، وكان لا بدّ أن تدافع عن المكتساب وعن جماهيرها، ولكن القوى المعادية، وليست المعارضة، وصفت كل المعارك والاشتباكات الدفاعية لوحدات الحماية بـ (المسرحيات)، بنظرهم معاركُ تحرير كوباني (عين العرب) كانت مجرد مسرحيات تنظمها سلطة الأمر الواقع، كما يسمونها، بالتنسيق مع قوات النظام السوري، لتدمير ما تبقى من سورية ولتهجير الأكراد، حتى معركة عفرين واشتباكات مدينة القامشلي السابقة -عندهم- هي مجرد مسرحيات، على الرغم من سقوط عشرات الضحايا”.

 

في حين أوضح نائب رئيس الائتلاف السوري المعارض عبد الباسط حمو أن “المناوشات ليست الأولى من نوعها”، معتقدًا أنها “تأتي في إطار اختلافات جزئية لا استراتيجية، وقد دعت البيانات التي صدرت من (مجلس سوريا الديمقراطية) إلى التهدئة والتقرب من النظام في سورية، بينما في إطار آخر صَرح أحد مسؤولي (حزب الاتحاد الديمقراطي) بأن هناك فتنة أميركية، حسب ما نقلت وسائل الإعلام، لذلك فهناك لعبة غامضة، أعتقد قد تكون تصفية حسابات”.

 

السياسي السوري عبد الباسط سيدا أشار إلى أن هذه المناوشات “هي في الغالب في إطار عملية إعادة توزيع المناطق والأدوار، وربما كانت نتيجة تباينات داخلية، سواء ضمن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي نفسه أو ضمن أجهزة الاستخبارات السورية، لأن المعروف والمؤكد هو أن التنسيق الأمني بين الطرفين قائمٌ، منذ لحظة دخول الحزب إلى الساحةِ السورية حتى الآن”، وأضاف: “ليس من المستبعد أن يتعرض الحزب للانشقاق، بين من هم مع النظام على طول الخط، وبين من يمتلك رؤية براغماتية يرى في الأميركي إمكانية للتحرر من تبعية النظام، وفي هذه الحالة لا نستبعد حالة من التشابك بين الطرفين قد تتخذ أشكالًا من العنف. الأمور ليست واضحة تمامًا، والجميع في انتظار معرفة مدى الجدية الأميركية في السعي من أجل تقليص النفوذ الإيراني في سورية”.

وبالنسبة إلى وجود (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي وأذرعه العسكرية في منطقة النفوذ الأميركي، وإمكانية حمايته من هجوم محتمل من النظام، قال جمعة: “إن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لن يُسلّم مناطق نفوذه إلا وفق تنظيم شكل إدارته المنفردة، في ظل حكم الدولة في المرحلة الانتقالية، ولا ننسى أيضًا أنه محكوم بمستوى من العلاقة مع الجانب الأميركي، لذلك أعتقد أن أمور العلاقة بين النظام وهذا الحزب لن تستقيم سريعًا، في الوقت الراهن”.

المحلل السياسي والباحث في القانون الدولي د. محمد الخالد أكّد أن لما جری من أحداث في القامشلي “دلالات أبعد من أن تکون حادثًا عرضيًا”، وأعرب عن قناعته بأن “العلاقة بین الإدارة الذاتیە والنظام تعتبر علاقةً مرتبکة ومتوترة، وأن الأکراد ینتظرون العملیة السیاسیة، مع استبعاد أن يكون للولایات المتحدة المصلحة فی أن تصل إلی حدود أن تدعم الأكراد إلی درجة الانفصال في سوریة”.

أما حمو، فقد أكّد أن “أميركا لن تسمح بأن يستفرد النظام، كما كان يهدف، بالرجوع إلى السيطرة على مناطق شرق الفرات، وكل المفاتيح والقرارات ستكون في يد أميركا، وليست بيد الحزب الكردي”.

بخصوص المناوشات الأخيرة بين النظام و(الأسايش)، وعلاقتها بقمة طهران الأخيرة التي جمعت رؤساء روسيا وتركيا وإيران، ونتج عنها اتفاق مناطق نزع السلاح، قال الخالد: “يبدو أنها علی علاقةٍ قویةٍ مع قمة طهران، فقبل یوم  وجهت الولایات المتحدة رسائلها إلی روسیا وإیران والنظام، عندما أرسلت أکثر من 150 شاحنة إلی مناطق سيطرة (قوات سوریا الدیمقراطیة) ومناطق (الإدارة الذاتیة)، وکان تتضمن معدات لوجستیة وعسکریة، ما یعني أنها ترید أن تقول لروسیا وإيران إنها موجودة فی سوریة، والخلاف الروسي الأميرکي لا يتعلق بالاتفاق علی العملیة السیاسیة. هم متفقون سیاسیًا، متفقون علی أن العملیة تدریجیة لا محال، لکن الاختلاف علی رسم خطوط مناطق النفوذ وملفات أخری خارج سوریة، هذا بالنسبه إلى أحد تبعات الحدث قبل مؤتمر طهران”.

بينما يختلف حمو مع الخالد في هذه الناحية، ويعتبر أن قمة طهران “لا علاقة لها بما جرى من مناوشات في القامشلي، إنما هي خلافات أكبر من المُتصور، لذلك نوقشت الخلافات في أستانا، في ما يتعلق بإدلب، وليس بما يجري في شرق الفرات”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق