أدب وفنون

“حوار الأديان”

مقدمة: كان في ودي أن يكون هذا المنشور مقالًا موسعًا لإحدى الجرائد الرصينة، ولكني بعد أن بدأت كتابته، غيّرت رأيي، فلا مبرر لشط ومط المنشور، كما أفعل أنا وغيري عادة، لنشر مقال مدفوع. وبما أنني قررت أن يكون “شعبيًا” دون دفع، ودون حشو ومراجع، فقد ارتأيت نشره على صفحتي الفيسبوكية، لكسب الجماهير التي يغيظها أن يكتب مسيحي عن الحوريات، وأيضًا، لكسب الجماهير التي تشمت بي عادة، عندما يشمت بي الطرف الآخر. وبذلك أكون أنا الرابح الوحيد على الجبهتين!

قبل يومين، كنت أجلس على طاولة العجائز السوريين، في أحد المراكز التجارية في مونتريال، وكان حول الطاولة، بالإضافة إلي، شخصان آخران هما زكي السوري، الذي قيل له إن أصله أرمني، ولكنه للأمانة ليس متأكدًا من هذا النسب، إلا أنه كان له مصلحة تجارية واجتماعية في تكرار قوله، بين الناس. وزكي هذا عمره، بتصريح مسجل، 88 سنة، وكان، قبل تهديده من قبل المخابرات ودفعه للهجرة قبل 40 سنة، يسكن في القامشلي، ويقوم بأعمال زراعية وصناعية ضخمة، دائمًا حسب روايته، التي لا مصلحة لي في التشكيك بها، ففي المهجر يحق لكل مهاجر أن يكتب تاريخه الشخصي كما يريد.

الشخص الثاني، هو إبراهيم، وهو طبيب متقاعد، حموي سني عمره 78 سنة، متحدر من عائلة أصولها إسماعيلية، كما يقول، (وهنا كل واحد يستطيع أن ينسب نفسه إلى الإمام علي أو محمد أو المسيح) غير متعصب، ولكنه لا يحب المزاح في مسائل الدين، وعلاقاته طيبة مع الجميع، وهو نموذج السني التقليدي الذي لا أعداء له رغم خشونة لهجته أحيانًا، كريم وخدوم.

قال زكي لإبراهيم جادًا: أخي إبراهيم، أنت تعرف أن أيامي في هذه الحياة أصبحت معدودة، وأريد أن أطمئن على وضعي في الحياة الآخرة. لقد أنعم الله عليكم بأربعين حورية، وفي رواية أخرى بسبعين، فهل يرضى ضميرك أن يكون عندك كل هذا العدد من الحوريات، وصديقك وصاحبك من سنوات، لا أجد من أسند ظهري إليه في الآخرة، لأني مسيحي فقط! هل يطلع من نفسك أن تعطيني خمس حوريات من حصتك؟

كنت أستمع للحوار “المسيحي- الإسلامي” الحساس، وأنا أراقب إبراهيم، وردّات فعله على الكلام الجاد الذي قاله زكي، فرأيت أنه استغرق في التفكير، وخفت أن يكون رده قاسيًا وعنيفًا ضد زكي، ولكن بعد دقيقة تقريبًا، رفع إبراهيم كفه في الهواء، وأشار بأصبعين اثنين أنه يعطيه حوريتين..

غادر زكي بعد ذلك الطاولة، وعلامات الفرح والسعادة على وجهه. وآمنتُ بعدها بأن الحوار الديني المسيحي- الإسلامي قد “جاب نتيجة”، رغم التشكيك فيه. بقي علينا أن نفتح الحوار السني- الشيعي، والارثوذكسي- الكاثوليكي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق