سلايدرقضايا المجتمع

ليست “جريمة شرف” بل جريمة وطن

منذ أن وُضع المجتمع المحلي السوري أمام خيارين: الفوضى وحكم الموروث المجتمعي، أو نظام الاستبداد السياسي بتغوله العسكري والأمني، بديلًا عن دولة المواطنة والحريات الدستورية؛ ازدادت مهمات الثورة وتثاقلت أحمالها، حتى باتت بحكم الصيرورة ليست ثورة سياسية، كما أرادتها المعارضة، لتغيير نظام الحكم وحسب، بل ثورة في قاع المجتمع لتغييره في الجذر والمنبت، على مستويات الثقافة والاقتصاد والدين والعادة والتقليد والموروث أيضًا.

خيارا الفوضى أو النظام وسطوته، أغرقا المجتمع بنموذجي الاستبداد الكريه: السياسي/ العسكري، والديني وأعرافه وتقاليده، اللذين تحالفا معًا للقضاء على منابت الحرية ومشروع الدولة الوطنية، سواء بالقمع الأمني أو القتل الجماعي، أو باستنهاض كل الموروث المجتمعي القابع في الطائفية والعشائرية وحكم رجال الدين والمجتمع التقليدي وقوانينهم الجائرة، وأوضح أشكالها كانت تلك المعادلة التي أُدخل فيها غالبية السوريين تحت نير التطرف وحكم الأيديولوجية المغلقة وشبهة النص المقدس، وبالضرورة ازدادت معها كل أشكال وصنوف العنف والحالات القهرية، بدءًا من لقمة العيش للحفاظ على الأسرة ومقومات المجتمع، وصولًا إلى استسهال القتل وترويجه تحت سلسلة من الذرائع، أوضحها محاربة الإرهاب المزعوم والمعمم جزافًا، الأمر الذي أودى بالمدن السورية تدميرًا وتهجيرًا، والمخفي منها أشد وطأة وقسوة، في قتل النفس البشرية على الشبهة والضنية، واستعادة كل الأعراف التي تسوق بذات الطريق،  فضلًا عن التشتت الأسري والتفسخ المجتمعي وانقسام المجتمع عموديًا وأفقيًا، سواء بشكله الديني أو الطائفي أو حتى على مستوى القبيلة والأسرة. ليقع المجتمع السوري بكليته أسير خيارين أحلاهما مر والآخر علقم، حيث لم تستطع الموجات الثورية المتلاحقة حلّ عقدة الاستبداد السياسي/ العسكري إلى اليوم، سواء بطورها السلمي أو ما تبعها من أشكال أعمال عسكرية مليئة بالأسئلة.

ليست المرة الأولى التي تحدث فيها حالة قتل مجاني جزافي، لفتاةٍ في مجتمع السويداء، المجتمع “الأقلوي” الدرزي الذي لم تطله حالات التهجير والقمع التي طالت باقي المناطق السورية، لكن ما يتضح من سلسلة الأحداث المتلاحقة الفردية في المجتمع يشي بكثير من تلك المعادلة التي وقع فيها كامل المجتمع السوري: الفوضى أو حكم النظام بسلطاته الأمنية والعسكرية. فما يسمى بهتانًا “جريمة شرف” إنما منبته وأصله تلك القوانين التي تحكمها الأعراف والتقاليد، التي -وإن تناقصت بالعموم بحكم التطور المجتمعي والعلمي- ظلت محمية من قانون الأحوال الشخصية، ومن المرجعية الدستورية لنظام الحكم القائم، سواء أكان باتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع، أو الاعتراف بالعادات والتقاليد العرفية لواقع الأقليات، حيث تجيز نصوصها القانونية إيجاد العذر المحل أو المخفف، في ما يسمى “جريمة شرف”، هذا فضلًا عن التمسك بدونية المرأة قانونيًا، سواء بالحضانة او الميراث أو حتى مرافقة أطفالها وقت السفر.

“جريمة الشرف” ميراث شرقي غارق في نموذج القبيلة الجاهلية التي كانت حماية بنات القبيلة، من السبي وعاره، مصدرًا رئيسًا في حروبها، مثلها مثل المأكل والمشرب، وقد حافظت عليه قوانين الدولة الحالية، دولة البعث وسلطته الحاكمة المنفردة، على الرغم من شعاراتها الطنانة بالحرية والعدالة وحرية المرأة، وليس هذا وحسب بل كرسته دستوريًا وقانونيًا من جهة، وعملت بكل منهجية على تعزيز المقومات التقليدية للمجتمع، سواء بالسماح بفتح العدد اللامتناهي من الجوامع ودور التعليم الديني بكل طوائفها، في مقابل إقفال دور السينما والمسارح والتنوع الثقافي والسياسي في المجتمع؛ فمدينة كالسويداء -مثلًا- كان فيها، قبل حكم البعث السلطوي، ثلاثة دور سينما وثلاثة أندية رياضية، ومسرح وطني، واليوم كل قرية فيها مركز ديني “مجلس”، مع انتشار للمساجد ودور العبادة الأخرى، وتشجيع لكل العادات المجتمعية المستمدة من الجاهلية والقبائلية موروثًا، كزعيم القبيلة أو العائلة وغيره. ليظهر بوضوح للسطح السياسي مدى التعاون الوثيق، بين الاستبدادين السياسي/ العسكري والمجتمعي الديني، بكل تنويعاته الطائفية والقبلية، بقرض كل مقومات الحرية المتمثلة في سياق الثورة، وممارستهم كل أشكال الاضطهاد الممكنة ضد الحلقات الأضعف فيه، بدءًا من اعتقال وقتل الناشطين السلميين وحملة لواء الحرية من جيل الشباب، وصولًا إلى الحلقة الأضعف في المجتمع ألا وهي المرأة.

لم تكن دولة المواطنة، كهدف للثورة، وصفة سحرية يمكن أن تهبط على المجتمع من السماء، ولم تكن تهدف قط إلى اجتثاث الدين بقدر جعله ممارسة ممكنة في أماكن العبادة، وأن يصبح القانون والدستور العصري بمرجعيته في العقد الاجتماعي الذي يحفظ كرامة المواطن وحريته؛ ولم تكن دولة المواطنة أيضًا سهلة التحقق، في مجتمع يعاني من استبداده الشرقي العتيق والسياسي المكرس بنظام الحزب الواحد وزيف الديمقراطية في وصفة الجبهة الوطنية الكاذبة، بل كانت خطوات ضرورية للتحقق التدريجي في سياق التجربة الوطنية ومفاعيلها اليومية؛ دولة المواطنة بوصفها العريض كدولة عصرية دستورية مرتكزها وأساس وجودها المواطن، على اختلاف انتمائاته السياسية والدينية والثقافية المتمثلة بـ:

– حرية انتمائه السياسي وممارسة حقه الانتخابي والتمثيلي، من دون محاصصة أو وصاية أو خوف أمني من اعتقال وغيره.

– حقه الدستوري في مرجعية القانون والقضاء المستقل عن السلطات السياسية والمنظومات العسكرية الحاكمة، والمتنفذة عبر الواسطات والرشاوى.

– حرية ممارسة عقائده الدينية ضمن أماكن العبادة، وطقوس عبادته، من دون أن تكون شريعة ما أو دين ما مرجعية مجتمعية عامة، تلغي حق الآخرين في ذات الحق الذي يمارسه، وتضمن بالضرورة فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة التي تكتنف المجتمع بتعدده واختلافه، بشكل مختلف عن المؤسسة الدينية التي تقوم على المتشابهين وحسب، وتنفي المختلف عنها.

– الفاعلية المؤسساتية وضمانة القانون الوضعي للحريات العامة والشخصية ودور الفرد فيها، بإمكاناته الشخصية وقدرته على الإنتاج والتقديم في المؤسسة.

– صون الكرامة الشخصية وأهلية المواطن الفرد من خلال عمله وقيمته، مصدر شرفه الفعلي والقانوني، لا أن تبقى كل أخلاق المجتمع وشرفه معلقة على جسد المرأة وفقط.

دولة المواطنة هذه كانت ستحقق لوالد الفتاة “ديانا أبو حسون”، الذي اغتالها، لتغيبها عن المدرسة ساعتين، كرامتَه وقدرته على الاستماع لها ومشكلاتها وتفهم تجربة المراهقة لمثل سنها، وكانت ستتيح للفتاة ذاتها القدرة على إخبار والدها عن سبب تغيبها عن المدرسة، أو على الأقل ستحقق لها ذاتها بما يجعلها أكثر وضوحًا وأكثر انتماءً، كما والدها، إلى دولة ذات حالة مؤسساتية، لا إلى مجتمع يغرق في ماضيه التقليدي وأحكامه العرفية، وخوفه من الجديد والحديث على ثقافته وموروثه؛ هي ليست “جريمة شرف أبدًا، بل هي حلقة من حلقات جريمة وطن، وهدر كرامته وإمكانات وجوده الحضاري، وليست “ديانا” إلا كما غيرها من جيل الشباب الطامح لحريته وكرامته الفردية، الذين اغتيلوا فرادى وجماعات، على يدي الاستبدادين العسكري/ السياسي والديني، ليُذبح وطن بأكمله في مجزرة جماعية، تعلو معها أسهم استسهال القتل وترخيصه قانونًا وعرفًا. ليبقى سؤال الحرية ودولة المواطنة رهنًا بطريق طويل من التضحيات المجانية والجزافية، مهما تأخر إنجاز إجاباته، ومهما استطاعت حلقات الاستبداد إحكام قبضته عليه، فقد خرج السوريون من القمم، وسيتابعون مسيرتهم حتى تتحقق مطالبهم، طال الزمن أم قصر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق