تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

دستور سوري جديد كعقد بين طرفين الدولة والمواطن

يعرّف الفقهاء الدستورَ بأنه القانون الأعلى الذي يُحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة)، ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري)، وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية). والدستور ينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص، كما ينظم العلاقات بين السلطات وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات، ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.

من المفيد، بمناسبة وضع الدستور السوري الموعود على طاولة البحث، أن نُبيّن -في حدود معرفتنا المتواضعة وأمنياتنا الكبيرة- ما يُفترض أن يكون محددًا وناظمًا للعلاقة بين الدولة السورية والمجتمع – الشعب السوري.

بالنسبة إلى السوريين، من المهم والجوهري أن يقوم الدستور على مسألتين: الأولى تُعتبر روح الدستور، ألا وهي المواطنة، والثانية وصف الدستور على أنه عقد قانوني. أي أن يُنظر إلى الدستور على أنه صيغة تعاقد بين طرفين: طرف أول هو النظام السياسي الحاكم أو الدولة، وطرف ثان هو الفرد أو المواطن.

الدستور السوري الموعود إذًا يجب أن يكون على شكل عقد قانوني أو تعاقد بين الدولة والمواطنين، أو الأفراد، لأن الفرد هو الوحدة الأساسية الصغرى والقيمة الأعلى في المجتمع، عقد ينظم العلاقة بينهم في ما هو مسموح وممنوع ومحرم، ويبين الواجبات والحقوق، كذلك ينظم العلاقة بين الدولة والمواطنين وفق المنهجية ذاتها، ولا يتدخل هذا العقد في انتماءات الفرد، ولا يتدخل في علاقات الطوائف والعشائر ببعضها، فهذه الأخيرة ينظمها قانون طبيعي موجود أصلًا كما علاقات الإثنيات ببعضها.

يجب أن يؤكد الدستور، في مادة أساسية من ضمن الأسس الوطنية الناظمة له، أن العلاقة بين النظام العام والدولة من جهة، والمواطن الفرد من جهة ثانية، لا تمرّ عبر أي وسيط آخر مثل الطائفة أو العرق أو الخصوصية أو الثقافة أو الدين أو المذهب، بل هي علاقة مباشرة واضحة وصافية بين النظام العام والفرد. كما يجب أن ينص الدستور في مادة مستقلة على أن علاقات الأفراد ببعضهم تتم عبر العقد الاجتماعي والقوانين، ولا تمر عبر قانون الطوائف غير المكتوب.

وحين يلحظ العقد الاجتماعي الطوائف أو الإثنيات، فهو يجعلها الأعلى والمرجع الأساس في الحياة السياسية أو الاجتماعية، ويمنحها حيثية قانونية سياسية.

إن ما يجب أن يتأسس عليه أي دستور أو عقد اجتماعي، لنتحول إلى مجتمع حديث خال من العصبيات والمراهقة الجماعية، طائفية أو قومية أو عرقية، هو أساس الإنسان الفرد المواطن، وليس الإنسان ابن الطائفة أو ابن الإثنية؛ لأن قيمة الإنسان بشخصه لا بطائفته أو عرقه أو قوميته، وحين نضع الإنسان الفرد أولًا فنحن نجعله الغاية، وحين نمنح الطوائف والإثنيات التمثيل السياسي، فنحن نجعلها الأعلى والغاية، ولا ننظر بالتالي إلى الإنسان الفرد إلا من خلالها، هذا إذا أخذناه بعين الاعتبار أصلًا.

ولما كانت الطوائف والقوميات تحمل في نفسياتها وأدبياتها مشاعر متناقضة، بين كراهية وتمييز سلبي وشعور بالظلم، فإن النظام الاجتماعي والسياسي والثقافي برمته سيتحول إلى ساحة للصراعات الطائفية القومية، لكن بواجهة سياسية، وسرعان ما تتنحى السياسة لتبدو الطوائف عارية واضحة في غرائزها.

لدينا مثالان: لبناني وعراقي، عن السياسة بخلفية طائفية، كما في (حزب الله) و(الحشد الشعبي)، والسبب أن الدستور في البلدين ليس سوى عقد يعترف بالطوائف، كمرجعية سياسية لها تمثيل في النظام السياسي، مما يمنح الطوائف حق العمل السياسي عبر أحزاب سياسية، ولا يمكن لأي حزب سياسي غير طائفي أو قومي أن يكون هو الأقوى، لأن الطوائف والانتماءات الإثنية القومية هي الأقوى.

ووفقًا لما تقدّم بيانه؛ فإن أي دستور أو عقد اجتماعي يذكر أيًا من هذه المصطلحات؛ مكونات أو طوائف أو إثنيات أو قوميات، بذريعة العدالة أو المساواة، فهو يعمل على شدّنا إلى الوراء، ليبقينا عند مستوى الغرائز الطائفية والقومية وعصبياتها المتناحرة.

إن الدستور الذي يُقحم المكونات في المحاصصة السياسية يعيدنا إلى الوراء ألف سنة، إلى الدولة الدينية بأسوأ أشكالها، مع فارق أنه يسبغ عليها مصطلحات جديدة براقة، وهو يجلب الدين والطوائف ليقحمهم في الدولة، وهذا أمرٌ أبعد ما يكون عن العقل أو العقل السياسي الحديث الذي من أحد إنجازاته فصل الدين عن الدولة، ونحن هنا لا نقول بفصل الدين عن الإنسان، فلكل إنسان حرية الاعتقاد والعبادة، لكن الدولة يجب أن تعتقد بالإنسان المواطن الفرد، وليس بالإنسان ابن الدين أو المذهب أو العرق.

لا مفرّ من وصول نخبتنا السياسية والفكرية إلى قناعة بأن ما يأتي من خارج الحدود الثقافية والجغرافية ليس بالضرورة أن يكون مفيدًا لنا، فما نشأ في ثقافة مغايرة أو مختلفة عن ثقافتنا يفيد تلك الثقافة، ومن النادر أن يفيد مجتمعنا، ولهذه القناعة فائدة أن تعمل نخبتنا على ابتكار مفاهيم ونظريات وفقًا لإشكالات مجتمعنا، فتضع النقاط على الحروف، وتجد حلولًا لأزماتنا المتراكمة، وتعطينا أملًا لمستقبل أفضل.

ختامًا: إن علاقة المواطن بالدولة الراعية، عبر أي وسيط آخر غير محددي المواطنة والتعاقد القانوني العادل، هي أشبه بعلاقة مُحرّمة أو زنًى قانوني سياسي، زنًى دستوري سينتج عنه مولود غير معترف به من الطرفين، وكثير من المظالم وسوء الفهم الذي يؤدي في النهاية إلى خراب شامل، يعيدنا بعد عقود إلى المربع الأول الذي نتموضع فيه الآن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق