مقالات الرأي

اتفاق جذوة الجمر!

اتفاق اللحظة الممكن، في درجة الجمر الفاصلة بين الكمون والحرب، هو ما يمكننا أن نصف به اتفاق موسكو وأنقرة بشأن إدلب. وأخيرًا أوجدت الدبلوماسية طريقًا نحو امتصاص التصلب، في مواقف الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بالملف السوري مباشرة. ووضعت أساسًا جديدًا لتجنيب المنطقة مزيدًا من الكوارث الإنسانية، التي ما يزال أمر حدوثها ممكنًا وبفظاعة شديدة، حال انهيار اتفاق سوتشي الأخير. لكن المعطيات تؤشر إلى أن شبح الحرب قد ابتعد قليلًا عن منطقة خفض التصعيد الرابعة والأخيرة في سورية، وأن السكان المدنيين، بصورة خاصة، أخذوا يتنفسون الصعداء حيث هم، في بيوتهم، وفي الملاجئ والمخيمات، وأشاعت روح التفاؤل إحساسًا عامًا بأن التطورات الراهنة قد تعيد الاعتبار إلى طاولة التفاوض مجددًا.

بلا شك، لكل طرف أسبابه ومبرراته، التي دفعت إلى الاتفاق. كما أن الذهاب إلى حملة عسكرية واسعة، محفوفٌ بالمحاذير. ولا يمكن معرفة أبعادها الحقيقية، إلا بعد نشوبها، وقد يكون من الصعب السيطرة على امتداداتها، وتوليد نتائجها بالصورة التي يريدها. هذا ما جعل التوصل إلى اتفاق اللحظة الأخيرة واجب التحقق، بعد أن سبقته جولات محمومة من العمل السياسي والأمني، والجهود الدبلوماسية الواسعة، التي تمخض عنها تأجيل أو إسقاط خيار الحملة العسكرية، التي فشل الكرملين في حشد أي تأييد دولي، وإن كان محدودًا. بالمقابل وجدت تركيا، قاسمًا مشتركًا مع المجموعة الدولية بشأن المخاوف من تداعياتها المفتوحة على كل الاحتمالات. خاصة في ضوء عدم التزام النظام باتفاقات مناطق خفض التصعيد، وإصرار موسكو على مواصلة عملياتها العسكرية.

لكن هل يعطي هذا الاتفاق فرصة للتقدم خطوة أخرى، نحو التسوية السياسية؟ أم أنه يمنح روسيا والنظام السوري وقتًا إضافيًا لإعادة بناء خطط العمل العسكري، بعد أن تنجح الجهود التركية في تهدئة الفصائل المسلحة، وسحب ما أمكن من السلاح الثقيل والمتوسط الذي تحوزه، فتضعف قدرتها على المواجهة، ومعها يصبح الانقضاض العسكري، أكثر فاعلية في تحقيق نتائج عاجلة، تسمح لروسيا بوضع قدم ثقيلة في إدلب؟ في اعتقادي أن روسيا لديها مخاوف حقيقية من الدخول في مواجهة مع التنظيمات المسلحة، ولكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تبقى المنطقة خارج سيطرتها. تبدو موسكو مُكرهة على اتفاق سوتشي، ولا تملك من أوراق القوة ما يمكنها للذهاب إلى بدائل أخرى. ولا يمكن لأي طرف دولي أو إقليمي آخر، أن يلعب دورًا حاسمًا داخل إدلب سوى تركيا. وعلى الرغم من خطورة المهمّة وصعوبتها، فإن التنظيمات المسلحة مجبرة على الإصغاء والاستجابة للخطط التركية بشأن تنفيذ بنود الاتفاق، بشأن المنطقة منزوعة السلاح، وملحقاته.

تملك أنقرة جميع الأسباب التي تجعلها طرفًا حاسمًا في فرض التصورات التي تراها مناسبة لتجنيب الاتفاق من الانهيار، مع الإقرار بوجود إشكالات جوهرية، تتصل بالمقاتلين الأجانب الذين يشكلون كتلة كبيرة داخل تنظيم (جبهة النصرة)، وهؤلاء يختلف وضعهم تمامًا عن عناصر المجموعات الأجنبية التي سحبتها حكوماتها، ضمن اتفاقات التسوية مع (داعش)، وهو ما يؤكد أنها كانت عناصر تخدم بلدانها داخل (تنظيم الدولة الإسلامية). أما عناصر (جبهة النصرة)، فهي “مؤمنة” بفكر القاعدة، ولذلك ترى فيهم حكوماتهم أشخاصًا خطرين، ولم تستجب حتى اليوم لدعوات إجلائهم. كما سوف تبرز على المدى البعيد إشكالية جمع السلاح داخل مناطق سيطرة المعارضة، وهو أمرٌ قد يقود إلى معارك تصفية، بين المجموعات والتنظيمات المسلحة.

مع بدء تنفيذ اتفاق سوتشي بشأن إدلب/ في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر القادم، سوف يبرز تحديان أساسيان، هما مستقبل الفصائل المسلحة، ملف وجود السلاح الفردي وانتشاره، وقضية نزعه، وهي مسألة قادمة بالتأكيد، مثلما يتم تجفيف منابع التمويل والتسليح بصورة تدريجية، سوف يخضع السلاح المتداول للإخفاء والسحب.

أما التحدي الثاني، فإنه يتصل بالإدارة المدنية للمنطقة، ودور التنظيمات الإسلامية المسلحة في ذلك، أي هل يمكن أن تقود التطورات إلى تراجع سيطرة المسلحين على إدارة المناطق، وتسليمها لمجالس محلية يتم اختيارها مدنيًا؟ هذا اختبار مهم، خاصة أن المواقف الدولية التي لم تمنح موسكو والنظام غطاء العملية العسكرية، ترافقت مع التظاهرات الشعبية في كافة مناطق إدلب، متمسكة بخيارات الثورة، وهو في اعتقادنا ما يجب الاشتغال عليه وتجذيره، تطويره نحو مطالبة الفصائل المسلحة الابتعاد عن إدارة المناطق، وعدم التدخل بشؤون المجالس المحلية، والتوقف كليًا عن مصادرة قرارها الوطني، وهذا يعدّ شرطًا جوهريًا لتوفير مناخات الاستقرار في المنطقة وتجنيب الأحياء السكنية والمدنيين، أي مخاطر من احتمال نشوب عمليات عسكرية مجددًا، وفقًا لاتفاقية جنيف بشأن المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

المنطقة العازلة، منزوعة السلاح سوف تُشكّل اختبارًا مهمًا لهذه التجربة، هي -في اعتقادنا- فكرة خلاّقة لنزع أي فتيل للمواجهة، وسوف تكون قابلة للتكرار في مناطق أخرى، حال نجاح تركيا، في نزع السلاح المتوسط والثقيل منها، بصورة سلسة وآمنة، وهو ما يمنح أنقرة ثقة دولية في هذا المضمار، لطالما افتقدتها في طرحها الدائم، عن وجوب إقامة شريط آمن منزوع السلاح على طول الحدود السورية التركية، وقوبلت على الدوام برفض أميركي.

قد تبدو الفرصة اليوم أكثر ملائمة للتنفيذ مع توفر أسباب عديدة، أهمها أن الولايات المتحدة تعتزم إعادة النظر في وجودها المباشر في الشمال السوري، مع إعلانها مؤخرًا أنها تقوم بدعم المعارك الأخيرة لتصفية (داعش) في سورية. وبالتالي فإن دور تركيا في مناطق منزوعة السلاح سوف يكون مهمًا، ولو كان ذلك على حساب ميليشيات العمال الكردستاني، الذي يبقى دوره وظيفيًا، مع تصاعد الانتهاكات والممارسات غير القانونية التي يقوم بها في مناطق سيطرته، من دون أن تبدي واشنطن تحفظات عليها، بما يعني إغراقها في أخطائها، ومن ثم التخلص من خدماتها.

تركيا على المحك، وإن كانت قد نجحت في سوق الدب الروسي، بعيدًا عن ارتكاب حماقة الحرب، فإنها سوف تواجه امتحانًا صعبًا مع التنظيمات المسلحة، تُحسد عليه. وبانتظار البدء في تطبيق الاتفاق، يبدو كل طرف وكأنه قابضٌ على الجمرة، لا يستطيع إفلات يده، فيحرق نثيرها المنطقة، ولا يستطيع إلى ما لانهاية احتمال جذوة النار تعتمل.

قد يفتح زيتون إدلب الطريق نحو تسوية ما، تُحيي مفاوضات جنيف، ثمة أمل كبير، وإسقاط النظام الأسدي، تفتيت جذوره، هو ما يجعل من الأمل ممكنًا. فالأسدية لا تعني سوى القهر، الحرب والخراب، الذي أغرق السوريين بالدم وبالخوف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق