أدب وفنون

جورج ماهر: لا يمكن للسوريين أن يُستعبدوا من جديد

تمهيدًا لهذا المقال، سألت الفنان التشكيلي جورج ماهر: لماذا وقفتَ مع الثورة؟ فأجاب: “وقفت إلى جانب الثورة، لأنني أحسستها تحمل أوكسجينًا لحريتي… كلُّ لوحاتي فيها ضجيج وقلق وحب للانعتاق من ربقة العبودية إلى الحرية، الحرية لجميع الناس، وللمرأة أولًا… وتمجد كلها حضارة بلادي العريقة… أعتز بسوريتي وبأبنائها الذين لا يمكن أن يعيشوا بعد الآن إلا في وطن الحرية والكرامة، وأنا لا أعطي اهتمامًا لعثرات الطريق”.

يصف الناقد الفني زاهر يازجي، لوحات جورج ماهر، بأن “الإنسان يبدو فيها مختلفًا بجسده وحاله النفسية، وهو يقدمه بأسلوبٍ فريد من نوعه”، فيما يرى الفنان التشكيلي نبيه الحسن المتابع لأعماله أنَّ “الفنان جورج ماهر يعتمد على تصوير الأشخاص والخيول بحركات انفعالية تعطي الناظر إليها شعورًا بالقوة. والجسد البشري عنده رياضي رشيق وحيوي، ما يعبر عما في داخل الفنان من عنفوان وقوة، وتمتاز لوحاته بالعمق الفكري، من خلال ألوانه ورموزه”. أما أنا فقد وقفت مشدوهًا أمام لوحاته التي عرضها في شيكاغو، فلقد كانت الأسطورة محورها جميعًا، وكانت الألوان الأخاذة موحية بالكثير من الأفكار والرؤى التي تُشعر الناظر بأنه أصبح واحدًا من أبطال الأسطورة، وبأنه ولج اللوحة وشارك في تكوينها.

ولد الفنان جورج ماهر عام 1945 في مدينة حمص، وتخرج معلمًا من معهد إعداد المعلمين فيها، ثم درس الاقتصاد السياسي في الجامعة اللبنانية، وبعدها توظف معلمًا للصفوف الابتدائية في الشمال السوري، قبل أن يوفد إلى برلين، ويدرس هناك الفن التشكيلي والسينوغرافيا وديكور المسرح والسينما والتلفزيون. حصل هناك على شهادة الماجستير بدرجة امتياز. كانت موهبته في الرسم قد اتضحت مبكرًا، من خلال متابعته للمعارض الفنية في مركز الفنون التشكيلية التي كانت تقام في مدينته حمص، وشارك مراتٍ فيها، ولفت الأنظار إلى موهبته. لكن نشاطه على المستوى العالمي بدأ من ألمانيا؛ حيث أقام عدة معارض فردية في برلين، وفي مدينة لايبزغ، ومدينة ديرسدن، ثم كانت المفاجأة في حصوله على جائزة بابلو نيرودا، حين شارك في البينالي العالمي للأنترغرافيك.

كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها لوحاته في لوس أنجلوس الأميركية، ضمتنا يومذاك سهرة عند صديق مشترك، فسألته: ما أدهشني في لوحاتك هو ذلك المزيج الساحر بين الألوان من جهة وبين الأسطورة والواقع المعاصر من جهة أخرى، وانتماؤها جميعًا إلى هموم الإنسان وتطلعاته للحرية، في إحدى لوحاتك تروي أسطورة (عشتار)، وفي لوحة أخرى أسطورة (كيرت)، ومن خلال الأسطورتين كنت تحدثنا عن العدالة والحرية، فهل نجحتُ في قراءة لوحاتك كما توقعتَ من مشاهديها؟ ابتسم جورج، وهو يهز رأسه موافقًا، وقال: الأساطير جزء من تراثنا الفكري وهويتنا، وهي إبداع فكري إنساني مسؤول عن خلق المعتقدات في الماضي البعيد. لذلك، أنا أعتز بالأساطير ضمن هذا المفهوم، وأرى فيها زادًا فكريًا يمكنني وغيري من الفنانين التشكيليين من أن نستنبط منه هوية جديدة للفن. في أسطورة (كيرت) الأوغارتية القديمة جدًا، كان ملك أوغاريت يريد أن يورث الحكم لابنه، لكن الآلهة رفضت وصيته، وطالبته قبل التفكير في ذلك بإقامة العدل في مملكته، واشترطت عليه منح الحرية لشعبه، لكن كيرت رفض الانصياع لشروط الآلهة، فعاقبته بأن جعلت منه مريضًا طريح الفراش، يعاني الآلام فترة طويلة من الزمن، يتمنى الموت في كل لحظة. هذه الأسطورة تحمل العديد من الدلالات التي تتكرر هذه الأيام، وهي دعوة لتحقيق العدالة والحرية والديمقراطية، ووجوب ترسيخها بوسائل الثقافة كحقوق ضرورية للشعوب. في أسطورة عشتار، لم أركز على الجمال فقط لأنها لم تكن مجرد رمزٍ لآلهة الجمال في أساطير الحضارات السومرية والأوغاريتية والكنعانية القديمة، وإنما كانت -أيضًا- رمزًا للحب والخصوبة والعطاء، فهي الأرض وثمرة القمح والأم… وغيرها من الرموز الإنسانية النبيلة.

الفنان جورج اسم شهير في أوساط الفنانين التشكيلين في ألمانيا، كما في الوطن العربي، وبالتأكيد في بلده سورية. وهو معروف في دول أوروبية عديدة، من خلال مشاركته في معارض تشكيلية جوالة، مثل المعرض الجوال الألماني الذي جال على بغداد، برلين، صوفيا، وموسكو، إضافة إلى مشاركته في المعارض الجوالة المحلية، مثل المعرض المتجول في اللاذقية، دير الزور، حماة، وحمص. كما أوفد إلى العديد من المعارض الدولة الخارجية، ممثلًا عن وزارة الثقافة السورية. عمل رئيسًا للقسم الفني في (مديرية المسارح والموسيقى). كما ترأس مكتب الدراسات لمشاريع الديكور في مؤسسة الإسكان. وقد اقتنت متاحف عديدة لوحاته في فرنسا، ويوغوسلافيا سابقًا، والنمسا، إضافة إلى لوحتين في المتحف الوطني بدمشق. وهو عضو في اتحاد الفنانين التشكيليليين العرب وفي نقابة الفنون السورية.

الملفت في لوحات جورج ماهر حضور المرأة القوي وبأشكالٍ موحية لشتى الأفكار والطموحات التي تعنيها. قال لي: “هناك نظرة نمطية إلى المرأة لا تزال -للأسف- سائدة في طيف واسع من المجتمع السوري. فهي كائن من الدرجة الثانية عندهم، وأنا حاولت في لوحاتي إبراز إنسانيتها الكاملة المساوية للرجل، مضيفًا إلى ذلك خصوصيتها كأم، نابذًا إظهارها كأنثى ضعيفة مسكينة لاحول لها ولا قوة. لقد جعلتها كما يجب أن تكون في الواقع، ندًا وشريكة كاملة الأهلية للرجل، ولها ذات المكانة، فأظهرتها شخصية قوية متوثبة تواقة للمساواة مع الرجل، وإغناء الحياة بالنشاط والحيوية. ولا تنتظر من الرجل أن يمنحها ما هو من حقها، بل تأخذه بيدها”.

ما يلفت النظر في الكثير من لوحات جورج -أيضًا- توظيفه للجواد في أوضاع رمزية مختلفة الدلالات والرموز، يكاد المشاهد يسمع صهيله، ويشعر بأنه يستعد للخروج من قيد اللوحة إلى فضاء الحرية. وقد شرح لي جورج ماهر ما يقصده من إعطاء دور رئيس للجواد في لوحاته: “لقد وجدت أن الفرس أو الجواد العربي يمثل عند العرب العديد من رموز القيم الأخلاقية، مثل الجرأة والتوثب والإقدام، ورفض الانصياع الأعمى، والحركة الدائبة، ما يعني توق الشخص العربي لكل تلك القيم”. وقبل أن أنهي المقال سألته هاتفيًا: هل تعتقد أن ثورتنا يمكن أن تزوي وتموت؟ فأجاب: “لم تقم الثورة السورية على يد حزب سياسي ما، وإنما نتيجة كم كبير من الظلم والاستبداد وحجب الحريات.. وهي لا تموت؛ لأنها تتغذى من ذاكرة الشعب ومن العنف الذي غلف حياته.. ذلك الماضي المأسوي سيبقى غذاء للثورة من أجل تحقيق مستقبل تسود فيه الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات للشعب كله”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق