هموم ثقافية

زعيم جزر الببّايا الخضراء

المكان: سينما الكندي في دمشق

الزمان: شباط 2011، بعيد وفاة المخرج السينمائي عمر أميرلاي.

يجلس زعيم دولة السينما السورية خلف طاولة على المنصة، عن يساره فتى السينما السورية الصاعد، وعن يمينه عرّاب الفتى الصاعد والمخرج الأول في دولة السينما السورية.

الهدف: مؤتمر صحفي، يضيء فيه الزعيم على خطة دولته الإنتاجية لعام 2011.

الجمهور: مجموعة من الصحفيين وبعض المهتمين.

لسبب ما، يقرر الزعيم –ولا رادّ لقضاء الله- أن يبدأ مؤتمره الصحفي ذاك، بالحديث عن عمر أميرلاي، مستغربًا، ببراءة الزعماء المعهودة، من وصف وسائل إعلام كثيرة لأميرلاي بالمخرج العالمي، مضيفًا بلمسة جغرافية تدل على سعة الأفق: هل عمر أميرلاي معروف في جزر الببّايا الخضراء مثلًا؟ (يبتسم الفتى الصاعد، فيما يظل المخرج الأول حاني الرأس ناظرًا إلى الطاولة).

انتهى المؤتمر الصحفي، الذي تحدث الزعيم فيه كثيرًا عن عمر أميرلاي، وقليلًا عن خطته الإنتاجية، فخرجتُ مع الخارجين من الصالة مارًا من خلف محافظة دمشق قاصدًا المركز الثقافي الفرنسي في البحصة.

في الطريق إلى البحصة، راحت الأسئلة تتدافع في رأسي كطابور من المواطنين على أبواب الهجرة والجوازات، استفزها الزعيم، الزعيم يستفز أعمق الأسئلة في داخلنا! السؤال الأكثر إلحاحًا كان: أين تقع تلك الجزر؟! حاولت أن أتذكر، دون جدوى، كيف عرف الزعيم أن عمر أميرلاي غير معروف في جزر الببايا الخضراء!؟ لقد علّمنا في المؤتمر أن آل بتشينو ممثل عالمي مثلًا، لأن العالمي هي صفة من يعرفه العالم كله، ولكنه لم يوضح لنا إن كان آل بتشينو معروفًا في جزر الببايا الخضراء أم لا؟ هل الزعيم خبير بجزر الببايا الخضراء؟ لحظة، أليست مهمته –أصلًا- أن يجعل من سينمائيي سورية معروفين في تلك الجزر!؟ ربما يكون سينمائيونا كلهم معروفين هناك، إلا عمر أميرلاي!

وصلتُ إلى المركز الثقافي الفرنسي، جمهرة أخرى من المواطنات والمواطنين، وأنا بينهم، ننتظر الدخول إلى قاعة المسرح في المركز، لمشاهدة فيلم “اللجاة”، الفيلم الوحيد لمخرج آخر لا تعرفه جزر الببايا الخضراء، إنه رياض شيّا الذي أخرج فيلمه الوحيد هذا، في أواسط التسعينيات بإنتاج من دولة السينما السورية، ثم انتحى جانبًا بفضل الخطط الإنتاجية والفكرية لزعيم الدولة تلك.

كان “اللجاة” واحدًا من أفلام عديدة، عدد لا بأس به منها، أفلام سورية، ضمن برنامج النادي السينمائي الذي أداره د. حسان عباس، ولأن د. عباس كان أستاذي في المعهد العالي للفنون والمسرحية، ولكي أكون “شاطرًا” في النقاش الذي سيدور بعد الفيلم، قررت أن أشاهد اللجاة على شاشة الكومبيوتر، قبل أن أذهب إلى النادي السينمائي، فتوجهت إلى محلات الفيديو التي أعرفها، لكن الفيلم لم يكن متوفرًا فيها، لذلك ذهبتُ إلى محل شهير في الشام القديمة، هناك تجد بازوليني وتاركوفسكي ومخملباف وغودار، كما تجد غوار وعادل إمام وعبود على الحدود.

– بيلتقى عندك فيلم اللجاة لرياض شيّا؟

لم يجب البائع، بل تلهّى بترتيب صف السيديات خلفه، وكأنه لم يسمعني، لذلك أعدت السؤال بصوت أعلى، فنظر إلي مستغربًا!

– اللجاة.؟ هاد إنتاج مؤسسة السينما.

هززت رأسي موافقًا، لكن الرجل لم يكمل، كما لم يبحث لي عن الفيلم، لقد “طنّشني” تمامًا. وأنا مضاد للتطنيش، فدخلت خلف مكتبه تقريبًا ونظرت إليه، وطلبتُ منه أن أبحث بنفسي، إن كان هو مشغولًا، لكن الرجل قال بهدوء:

– “ما حتلاقيه، عم قلك إنتاج المؤسسة.

– هوي لإنو إنتاج المؤسسة، سوري الفيلم. معقول مو موجود؟!

– أفلام المؤسسة ما بتلاقيها بالسوق، إذا لقطونا عم نبيعها بيعملولنا فيها حقوق ملكية وفكرية وبيسكرولنا المحل… بس عندي فيلم روسي جديد إسمو العنبر رقم ستة، ظريف كتير الفيلم”.

عمر أميرلاي توفي في الخامس من شباط 2011، ورياض شيّا توفي في الرابع عشر من حزيران 2016، أما الزعيم فأصبح بعد وفاة شيّا بأيام وزير ثقافتنا، ولا أعتقد أن ترفيعه أتى بفضل خططه الإنتاجية، بل غالبًا كمكافأة على وفاة أميرلاي وشيا وصالات العرض والسينما السورية كلها.

أما لماذا أتذكر هذه الأحداث الآن، فلأنني اكتشفت بالأمس فقط، عدم وجود جزر تسمى جزر الببايا الخضراء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق