تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هل يلجم اتفاق إدلب (الروسي – التركي) النظامَ السوري؟

بعد الاتفاق الثنائي في سوتشي، بين تركيا وروسيا، حول الوضع في إدلب، ونجاح الدبلوماسية التركية في تطويع القرارات الروسية وإمالتها نحو الهدف التركي، وبالتزامن مع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة للتدخل الروسي العسكري المباشر في سورية، يتأرجح السوريون في رؤيتهم وتقييمهم وتفسيرهم للاتفاق في إدلب، ويأملون أن لا يُساهم في تثبيت احتلال الروس لسورية؟ وأن يدفع باتجاه كنس الاحتلال الإيراني الطائفي، فهل كان هذا الاتفاق يُحاكي طموحات السوريين بالخلاص من حكم الأسد؟

الباحث والمعارض السوري جبر الشوفي أكد لـ (جيرون) أن أهمية الاتفاق “تكمن في تجنيب المدنيين في إدلب المجزرة، ولجم النظام عن استهدافها على الأقل مدة زمنية، وإن تم بعدها فسيكون عملًا جزئيًا، وكذلك تثبيت وضع المسلحين المعتدلين فيها”، لكنه أعرب عن خشيته أن يكون هذا الاتفاق في الوقت ذاته “مخرجًا لروسيا من ورطتها أمام الغرب عامة، وتركيا خاصة؛ إذ سيتسنى للروس، عبر الوقت الفائض، اللعب في الأوراق السياسية والدبلوماسية، بحجة قوية تستند إلى ما حققته في سوتشي مع تركيا، بعد أن تفادت الخصام معها، ودفعها باتجاه الأميركيين، وستضمن سكوت تركيا عن بقائها، وتذهب إلى المناورة في مسألة الدستور والانتخابات، ويدُها قابضة على اتفاق ذي أهمية دولية وإقليمية، وستكون قادرة على تفجيره؛ إذا حاولوا إحراجها”.

ورأى أن وضع إدلب سيكون “قابلًا للاستثمار الروسي في حدود معينة، فإذا كان الأميركيون جادين في دفعهم إلى جنيف؛ فستبدأ اللعبة الدبلوماسية بأوراق الإعمار وعودة المهجرين من جديد، من دون إخراج كلّي للأسد، بل الاكتفاء بحلول مخففة كتخفيض صلاحيات، لأن إخراجه كليًا غير مطروح بجدية، لا دوليًا ولا إقليميًا، وكل التصريحات لا تتعدى اللعب بالأوراق، حتى تخفيض الصلاحيات سيكون نوعًا من المقايضة بذريعة الدستور والانتخابات، وسيُقايض الروس والإيرانيون بورقة إعادة جزء من المهاجرين والنازحين ومشاركة الغرب في إعادة الإعمار، ومع هذا، لا يمكن أن يُؤمَن جانب الروس، فكلما سارت الحلول التوافقية بشكل لا يُناسبهم؛ عملوا على تفجير الوضع في إدلب وغيرها مختبئين خلف النظام، لإعادة خلط الأوراق والعودة إلى لعبة السلاح”.

الباحث جمال قارصلي، المعارض السوري والنائب السابق في البرلمان الألماني، قال لـ (جيرون): “أعتبر أن ما حصل بخصوص إدلب هو أمرٌ إيجابي جدًا، فبهذا الاتفاق تم تجاوز كارثة إنسانية كان يمكن أن تكون لها تداعيات كبيرة يمكن أن تصل إلى أوروبا، وأنا أعتبر أنها ربما تكون أول خطوة في اتجاه حل القضية السورية، وآمل أن نلتقطها جميعًا. علينا الآن أن نتجه باتجاه الحل، ونعمل من أجل ذلك، وأن لا يبقى هناك تعنت وعنجهية، كما كان يعمل النظام إلى هذا التاريخ. في الداخل وعلى الأراضي السورية دولٌ لها مصالح في سورية، وجاءت من أجل مصالحها، وكل دولة لها مصلحتها لتدافع عنها، ولا بد من تفهم مصالح هذه الدول، وأخذها بعين الاعتبار ضمن الحل الذي يمكن أن نتوصل إليه كسوريين”.

وأضاف: “للأسف، نحن -السوريين- أصبحنا بلا إرادة ولا أحد يسأل عنا، ولا أحد يسألنا. الدول الأخرى تقرر وتعمل وتجتمع، ولكن من دون أخذ رأي المجتمع السوري، سواء أكان من المعارضة أم من النظام. نحن نعرف أن الروس جاؤوا في عام 2015 على أساس البقاء شهرين أو ثلاثة أشهر، لكنهم اليوم يتكلمون عن سنين، وربما عشرات السنين، والروسي يحاول أن يبقى أطول وقت ممكن، ويقوي مكانته الاستراتيجية في العالم، ولا بد أن نعرف أن كل شيء يحصل في سورية يتم بموافقة أميركية، أميركا تراقب وتوافق على كثير من الأمور، ولا شيء يحدث ضد الإرادة الأميركية. يجب أن يكون هناك موافقة أميركية على كل شيء، ومشكلتنا الكبرى هي تشبث (إسرائيل) ببشار الأسد وبنظامه، في الوقت الحالي؛ لأنهم ما وجدوا بديلًا لبشار الأسد، يمكن أن يقدم لهم ما قدمه نظام بشار الأسد، إلى هذا التاريخ، وهذه هي المشكلة، ولو أن (إسرائيل) تخلت عن بشار الأسد؛ لانتهى الموضوع من زمان”.

شدد قارصلي على أن المعارضة السورية “معارضة متواضعة جدًا حيث يقولون: عند رحيل بشار الأسد يمكن أن نتفاهم كسوريين مع بعضنا البعض، ونجد طريقًا للحل السلمي، ولكن مع بشار الأسد من الصعب جدًا الوصول إلى حل، وأنا دائما أقول: في الحقبة النازية، هل تصوّر الألمان أن يأتي هتلر، ويقول لهم نريد أن نعمل شيئًا مع بعض، أو يتنازل للناس! لذلك وجود بشار الأسد هو المعضلة الأساسية، وتمسك بعض القوى العالمية ببشار الأسد، ولا سيّما (إسرائيل)، هو الذي يعقّد الموضوع، ونعلم أن ليس هناك إرادة دولية لحسم هذا الموضوع، ربما تأزم الموضوع الآن أكثر، والتوترات الأخيرة ساهمت في تدخل الطرف الأميركي والأوروبي من أجل الوصول إلى الحل، ووسوتشي الآن هي خطوة بهذا الاتجاه، وطبعًا علينا -كسوريين- أن نلتقط هذه الفكرة، وأن نقوم بفعل شيء حيالها، وإذا ما أخذنا زمام الأمور بأيدينا، وقلنا إننا نريد أن ننقذ بلدنا، مع الأخذ بالحسبان مصالح الدول الأخرى -لأن ما يهمها هو مصالحها أكثر مما يهمها مصالح الشعب السوري- فإننا سننقذ ما بقي من بلدنا. وعلى ذلك؛ لا بدّ من طريق يجمع السوريين، ليبحثوا عن حل يُمكن أن تقبله نسبة كبيرة من السوريين، ويقولون للعالم هذا هو الحل الذي نرضى به، لكي يُحرجوا الدول التي تريد البقاء في سورية، وأن تستغلها وتوسع نفوذها، على حساب سورية وعلى حساب الشعب السوري”.

وجّه قارصلي دعوة إلى مؤتمر سلام يضم السوريين، وخاصة المستقلين، من أجل أن “يضعوا برنامجًا وخارطة طريق من أجل الخروج من المأزق”. كما أعرَب عن أمله أن يكون هناك “منصة سورية بحتة، والشعب السوري يقرر مصيره، وربما الأجواء مواتية لذلك الآن، ولا بد لنا من أن نقلع شوكنا بأيدينا، لأن الدول دائما تبحث عن مصالحها، ونحن لا بد من أن نبحث عن مصالحنا كذلك، ونعيد القرار لنا نحن السوريين، وأن نكون حقًا على قدر المسؤولية، وكما قلت نعيد القرار لنا، ونحن نكون أصحاب القرار في بلدنا، وهذي مسؤوليتنا ومسؤولية كل المثقفين السوريين”.

الباحث السوري الدكتور جمال الطحان قال: “لا يمكن أن يكون سقف طموحات السوريين تجنيب إدلب كارثة الإبادة، لكن الاتفاق كان خطوة ايجابية أولية، درأت التصادم بين تركيا وروسيا، وأخرجت إيران من المعادلة. اليوم، وقد باتت إدلب منطقة آمنة، لا بد من بذل الجهود الحثيثة لإخراج كل التنظيمات التي لا تتخذ العَلم السوري الموحد رايةً لها، بما يعني ذلك الالتزام بسورية حرة بعيدة عن التطرف. ولا بد من العمل على مواصلة التظاهرات التي تنادي بإخراج جميع القوات الأجنبية من سورية”.

وأضاف: “لدى روسيا مصالح في سورية، وهي مكان مواصلة الحرب الروسية ضد منافسيها، كما أن وجودها يخفف الضغط الداخلي على بوتين، لكن استمرار الوجود الروسي العسكري لا يمكنه البقاء مدة طويلة، لأسباب كثيرة مختلفة. كان الأمل أن تكون حلب بنغازي سورية، لكن إجرام الأسد والدول المساندة له حال دون ذلك. الآن يمكن أن تقوم إدلب بهذا الدور، لإعادة انطلاق الثورة السورية حتى تحقيق أهدافها في الوصول إلى دولة المواطنة التي تسمح بتداول السلطة ومحاسبة الفاسدين”.

أما الإعلامي السوري المعارض بسام جعارة، فقد كان له رأي مختلف؛ إذ اعتبر أن الاتفاق “لمصلحة روسيا والنظام 100 بالمئة: منطقة عازلة بدون سلاح ثقيل في منطقة جغرافية نموذجية لحرب العصابات في جبلي الأكراد والتركمان وجسر الشغور، وفتح طريق حماة حلب وطريق اللاذقية حلب، وفصل الفصائل المعتدلة عن الفصائل المتشددة، وذلك يعني اقتتال هذه الفصائل، وقصف أماكن تواجدها”.

وأردف: “لقد تم حفر الخنادق وإقامة الدشم والتحصينات في المناطق العازلة، وتستطيع روسيا احتلالها خلال ساعات، بعد نزع السلاح الثقيل منها، وطرد الفصائل التي تسيطر عليها، والأهم أن روسيا دولة قاتلة وليست ضامنًا، ومن يستطيع أن يضمن عدم قصف الطيران الروسي للمناطق بحجة وجود متطرفين؟ حتى إذا حلت (هيئة تحرير الشام) نفسها، فستقول روسيا إنهم بحماية بقية الفصائل وسيتم قصفهم”.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق