أدب وفنون

غدًا منذ الفجر

“غدًا منذ الفجر.. في ساعة تبيضّ فيها البراري.

سأذهب.. ألا ترين.. يقيني بأنّك في انتظاري!

سأعبر الغابة.. سأتسلّق الجبل..

لم أعد أحتمل البعد عنك.

سأمشي مطبق العينين لا أرى غير أفكاري،

لا أبصر شيئًا ممّا حولي، ولا أعير الضجيج السّمع، وحيدًا

غريبًا، مكسور الظهر

مكتوف اليدين

حزين.

والنهار يبدو لي كما اللّيل “غدًا منذ الفجر”.

هي قصيدة كتبها فيكتور هوغو عام 1843 على إثر صدمته الشديدة بخسارة ابنته الكبرى والمفضلة ليوبولدين التي توفيت في حادث غرق قاربهم في نهر السين المتجه إلى villequier، المدينة التي تعيش فيها مع زوجها، عن عمر 19 سنة. توفيت وجنينها في أحشائها، وقد حاول زوجها إنقاذها، لكن الملابس الثقيلة ولعبة القدر أودت بحياتهما معًا..

كتب هوغو العديد من القصائد في رثاء ابنته، لتخفيف آلامه وتعبيرًا عن حزنه؛ إذ يقول في مقطع آخر:

لن أنظر للذّهب الخالص المنسدل من اللّيل…

ولا إلى الأشرعة المنحدرة بعيدًا، المتجهة نحو هورفلور،

وعندما أصل سأضع على قبرك

باقة إكليل أخضر

تزيّنها الأزهار.

“وداعًا يا صغيرتي”.

فيكتور هوغو المؤلف الفرنسي الذي اشتهر بأشعاره ورواياته الرومانسية، ومن ضمنها (البؤساء) و(أحدب نوتردام)، تناولت أعماله القضايا السياسة والاجتماعية في عصره، وترجمت إلى عدة لغات.

ولد في مدينة بيزانسون الفرنسيّة الموجودة على الحدود السويسرية، وكان الابن الثالث والأصغر لإمّه صوفي تريبوش التي كانت -بشهادة ابنها- أمًا حنونًا، استثنائية لا تنسى، كاثوليكية، ومن مؤيدي النظام الملكي. عاش معها وإخوته في جوّ من السعادة قبل وبعد طلاقها من والده ليبولد هوغو الذي كان ضابطًا، وأصبح جنرالًا تحت قيادة نابليون بونابرت. تأثر بآراء أمه المؤيدة للملكيّة ثم تمرّد على هذه الآراء عقب ثورة 1848.

تلاحقت الصدمات وأحزانها على كاتبنا، ولم يجد إلا الصفحات البيضاء التي يمطرها شجنه الدامع.

ففي العام 1821 توفيت والدته.. وفي العام نفسه، تزوج هوغو من آديل فوشييه التي كانت جارتهم وحبيبة أخيه، ولقد أدى هذا الزواج إلى تفاقم حالة الصرع عند الأخ، وتسبب في حالة من الجنون أدت إلى دخوله المصحّ العقلي حتى وفاته.

رزق الزوجان بطفلهما الأول عام 1823 ويدعى ليوبولد، لكنه لم ينجُ.. وبعدها رزقوا بابنتهما ليوبولدين، ثم تشارلز، وفرانسوا فيكتور، وأخيرا ابنته أديل.

في عام 1863، كانت بداية صدمته المديدة، حيث التقت أديل هوغو، وهي البنت الصغرى الجميلة الرقيقة الفارعة، عازفة البيانو ذات الصّوت الشجي… التي كانت تتساقط من بين أصابعها النغمات كالنّجوم من السّماء، لتنثرها بين خصلات شعرها الأسود الفاحم المتطاير ببهجة واحتفاء، والتي قام عدد من الرسامين والفنانين التشكيليين المشاهير برسم ملامح جمالها، كلّ منهم على طريقته.

أديل سليلة العائلة الأرستقراطية.. كانت تمتاز منذ طفولتها بحساسيّة عالية وحبّ للحياة وتنضح بالطاقة، لذلك، كان لها عادة تدوين يومياتها منذ الصّغر الذي وضع النقاط على حروف الكثير من جمل صفحات يومياتها.

التقت أديل هوغو، في ذلك العام، الضابطَ الإنكليزي ألبرت بينسون، أحبّته ووقعت في غرامه لدرجة الجنون. ولكنّه لم يكن يبادلها نفس الشعور، وعندما رفضت عائلتها، وبخاصة والدها، ارتباطه بها، انسحب من حياتها، وسافر إلى مدينة باربيدوس في البحر الكارييبي، في مهمّة عسكريّة. لكنها لم تتحمّل فراقه عنها، فأرسلت إليه رسالة تعلمه بقرب موعد اللقاء:

“ألبرت، يا ملاكي الوسيم، ستتحد بـ أديل عما قريب، ولن يفصل بيننا لا محيط ولا أي شيء قد يبعدني عنك. أنا هنا أتلظى لفراقك وأنا على استعداد للمجيء إليك، أو أن تحدد موعدًا للانضمام إليك لنعيش معًا”. ثم انتحلت اسم قريبتها وسافرت بحثًا عنه.

أقامت أديل في فندق متواضع هناك، وكانت تعيش على ما ترسله لها عائلتها.. قابلت “أديل” حبيبها الذي رفض وطلب منها أن تنساه، عندئذ أصابها نوع من الجنون واليأس والاضطراب.. فتركت الفندق وأخذت تهيم على وجهها في الشوارع والطرقات، بملابسها الرثّة، وأصبحت مهووسة بشرب الكحول، بسبب ذلك الحبّ المستحيل الذي حوّل حياتها إلى جحيم حقيقي، وبقيت على هذه الحال قرابة ثلاث سنوات، لا تعلم من هي ولا تعرف لها عنوان، إلا أنّ سيّدة، اسمها سيلين الفاريز، اعتنت بها ودفعت نفقات المستشفى النفسي التي كانت بحاجة إلى دخوله، وساعدتها للتّواصل مع عائلتها، وسعت لتعود إليهم سالمة، إلا أنها توفيت ضحيّةَ حبّ وصل إلى درجة الجنون، مسبّبة لأسرتها، ووالدها بشكل خاصّ، فضيحة أثّرت في مكانته في ذلك الوقت. والدها الذي كانت صدمته الأولى بابنته الكبرى دموعًا تتساقط بغزارة لتحريض حروف قصائده، لكن صدمته الثانية المديدة “بأديل”، أحرقت كل شفافيته الإنسانية.

توفي فيكتور هوغو في باريس، في 22 أيار/ مايو 1885. وتم تشييعه في جنازة تشريفية حضرها الملايين، ووُضِعَ جثمانه أسفل قوس النصر لفترة، ثُمَّ دُفِنَ في مقبرة العظماء Panthéon.

كانت كتابات هوغو متنفسًا لذاته الملتاعة بالأحزان والمآسي التي لم تفارقه، لكن أعماله لا تزال من أعظم الأعمال الأدبية حول العالم.

“كم هو الحب عقيم: إنه لا يكف عن تكرار كلمة واحدة: “أحبك”! وكم هو خصب لا ينضب: هناك ألف طريقة يمكنه أن يقول بها الكلمة نفسها”.. فيكتور هوغو.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق